فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 339

رَفْعُهُ: إِزَالَتُه بعدَ نُزُولِهِ. ودَفْعُهُ: مَنْعُهُ قَبْلَ نُزُولِهِ.

قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالى: (وقولِ اللهِ تعالى: {قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزُّمَر:38] .

قالَ ابنُ كَثِيرٍ: أي: لا تَسْتَطِيعُ شَيْئًا من الأَمْرِ (قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ) أي: اللهُ كَافٍ مَن تَوَكَّلَ عليه {عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} كَمَا قَالَ هُودٌ عليه السلامُ حينَ قالَ له قَوْمُهُ: {إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [هُود:54 - 56] قالَ مُقَاتِلٌ في مَعْنَى الآيَةِ: فَسَأَلَهم النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسَكَتوا, أي: لأَنَّهُم لا يَعْتَقِدُون ذلك فيها.

وإنَّما كَانُوا يَدْعُونَها على مَعْنَى أَنَّها وَسَائِطُ وشُفَعَاءُ عندَ اللهِ، لا أَنَّهُم يَكْشِفُون الضُّرَّ، ويُجِيبُون دَعَاءَ المُضْطَرِّ، فهم يَعْلَمُون أنَّ ذلك للهِ وحدَه. كما قالَ تعالى: {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [النحل:53 - 54] .

قُلْتُ: فهذه الآيةُ وأَمْثَالُها تُبْطِلُ تَعَلُّقَ القَلْبِ بغيرِ اللهِ في جَلْبِ نَفْعٍ أو دَفْعِ ضُرٍّ، وأنَّ ذلك شِرْكٌ باللهِ. وفي الآيَةِ بيانُ أنَّ اللهَ تعالى وَسَمَ أَهْلَ الشِّرْكِ بِدَعْوَةِ غيرِ اللهِ والرَّغْبَةِ إليه مِن دُونِ اللهِ. والتَّوْحِيدُ ضِدُّ ذلك. وهو أن لا يَدْعُوَ إِلا اللهَ، ولا يَرْغَبَ إلا إِلَيه، ولا يَتَوَكَّلَ إلا عليه، وكذا جميعُ أَنْوَاعِ العِبَادَةِ لا يَصْلُحُ مِنها شَيءٌ لِغَيْرِ اللهِ. كَمَا دَلَّ على ذلك الكِتَابُ والسُّنَّةُ وإِجْمَاعُ سَلَفِ الأُمَّةِ وأَئِمَّتِهَا كمَا تَقَدَّمَ.

(2) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالى: (عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ،(( أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ حَلْقَةٌ مِنْ صُفْرٍ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ قَالَ: مِنَ الوَاهِنَةِ. فَقَالَ: انْزِعْهَا فَإِنَّها لا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا، فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ ما أَفْلَحْتَ أَبَدًا ) )رَواه أَحْمَدُ بِسَنَدٍ لا بَأْسَ بِهِ).

قالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بنُ الوَلِيدِ, حَدَّثَنَا المُبَارَكُ عن الحَسَنِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ (( أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبْصَرَ عَلَى عَضُدِ رَجُلٍ حَلْقَةً -قَالَ: أُرَاهُ مِنْ صُفْرٍ- فَقَالَ: وَيْحَكَ ما هَذِهِ؟ قالَ: مِنَ الواهِنَةِ. قالَ: أَما إِنَّها لا تَزيدُكَ إِلَّا وَهْنًا. انْبُذْها عَنْكَ فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ ما أَفْلَحْتَ أَبَدًا ) )رَوَاه ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ فقالَ: (( فَإِنَّكَ إِنْ مِتَّ وُكِلْتَ إِليْها ) )والحَاكِمُ، وقالَ: صَحِيحُ الإِسْنَادِ. وَأَقَرَّه الذَّهَبِيُّ. وقالَ الحَاكِمُ: أَكْثَرُ مَشَايخِنَا على أنَّ الحَسَنَ سَمِعَ مِن عِمْرَانَ. وقولُه في الإِسْنَادِ: أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ. يَدُلُّ على ذلك.

قولُه: (عَن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ) أي: ابنِ عُبَيْدِ بنِ خَلَفٍ الخُزَاعِيِّ؛ أبو نُجَيْدٍ -بنُونٍ وجِيمٍ- مُصَغَّرٌ. صَحَابِيٌّ ابنُ صَحَابِيٍّ. أَسْلَمَ عَامَ خَيْبَرَ. ومَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وخَمْسِينَ بالبَصْرَةِ.

قولُه: (رَأَى رَجُلًا) في رِوَايَةِ الحَاكِمِ: (( دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عَضُدِي حَلْقَةُ صُفْرٍ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ ... ) )الحديثَ. فالمُبْهَمُ في رِوَايَةِ أَحْمَدَ هو عِمْرَانُ رَاوِي الحَدِيثِ.

قولُه: (مَا هَذِهِ) يَحْتَمِلُ أنَّ الاسْتِفْهَامَ للاسْتِفْسَارِ عن سَبَبِ لُبْسِها، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ للإِنْكَارِ، وهو أَظْهَرُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت