وقال عمر رضي اللّه عنه: (بين العبد وبين رزقه حجاب، فإن قَنَعَ ورضيت نفسه أتاه رزقُه، وإن اقتحم وهتك الحجاب لم يُزَدْ فوق رزقه) . وقال بعض السلف: (توكَّلْ تُسَقْ إليك الأرزاق بلا تعبٍ ولا تكلف) . وها هنا تنبيه إلى أن التوكل الصحيح يستلزم من صاحبه أن يُعْمِلَ الأسباب كما قال تعالى: /وَاتَّقُوا اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ / [المائدة:11] . فجعل التوكل مع التقوى، وهي هنا شاملة للقيام بالأسباب المأمور بها، فالتوكل بدون القيام بالأسباب المأمور بها عجزٌ محض، وإن كان مشوبًا بنوع من التوكل، فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزًا ولا عجزه توكلًا، بل يجعل توكله من جملة الأسباب التي لا يتم المقصود إلا بها. وهذا المعنى يدل عليه أيضًا ما رواه الترمذي وغيره عن أنس رضي اللّه عنه قال: قال رجل: يا رسول اللّه! أَعْقِلُها وأتوكل، أو أُطْلِقُهَا وأتوكل؟ قال: {اعقلها وتوكل} وقد أخطأ في هذا الباب أقوام، فعوَّلوا عجزهم على التوكل، وتذرَّعوا به، فضيَّعوا من الحقوق والواجبات لأنفسهم ولعيالهم، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: {كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يَقُوت} [رواه أبو داود] . ولمثل أولئك قال عليه الصلاة والسلام: {المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى اللّه من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن باللّه ولا تعجز، فإن أصابك شيءٌ فلا تقولن: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر اللّه وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان} ومما ينبَّهُ إليه هنا أن ضعف التوكل لدى الإنسان إنما ينتج عن ضعف الإيمان بالقضاء والقدر، وذلك لأن من وكَلَ أموره إلى اللّه ورضي بما يقضيه له ويختاره، فقد حقق التوكل عليه، وأما من وكل أموره لغير اللّه، وتعلق قلبه به، فهو مخذول غافل عن ربه جل وعلا.
روى ابن مسعود رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: {من أصابته فاقةٌ فأنزلها بالناس لم تُسَدَّ فاقته، ومن أنزلها باللّه أوشك اللّه له بالغنى ... } الحديث [رواه أبو داود وغيره] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه: (وما رجا أحدٌ مخلوقًا ولا توكل عليه إلا خاب ظنه فيه، فإنه مشرك، قال تعالى: /وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ / [الحج:31] ) . قال الشيخ سليمان بن عبد اللّه بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم اللّه: (التوكل قسمان: أحدهما: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا اللّه، كالذين يتوكلون على الأموات والطواغيت في رجاء مطالبهم، من نصرٍ أو حفظِ رزق أو شفاعة، فهذا شرك أكبر. والثاني: التوكل في الأسباب الظاهرة، كمن يتوكل على أمير أو سلطان فيما أقْدَرَهُ اللّه تعالى عليه من رزق أو دفع أذى ونحو ذلك، فهو نوع من شرك أصغر. والوكالة الجائزة هي توكيل الإنسانِ الإنسانَ في فعل ما يقدر عليه نيابةً عنه، لكن ليس له أن يعتمد عليه في حصول ما وُكِّل فيه، بل يتوكل على اللّه في تيسير أمره الذي يطلبه بنفسه أو نائبه، وذلك من جملة الأسباب التي يجوز فعلها، ولا يعتمد عليها بل يعتمد على المسبِّب الذي أوجد السبب والمسبَّب) . ومما يزيد إيضاح تحقيق التوكل والعمل بالأسباب مع تعليق القلب باللّه وحده: ما أخبر به أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه في هجرة النبي صلى اللّه عليه وسلم للمدينة إذ قال: (نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رءوسنا، فقلت: يا رسول اللّه! لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: {ما ظنك يا أبا بكر باثنين اللّه ثالثهما} [متفق