لا شك أن كل هدف أو غاية يحتاج في تحقيقها إلى عوامل عدّة .. وكلما كان الهدف عظيمًا والغاية جليلة كلما استدعى عوامل أعظم، وتكاليف أكثر .. والنصر هدف يسعى لتحقيقه كل مجاهد لكنه هدف يتطلب الكثير من البذل والتضحية والعناء .. فالسلعة غالية والثمن كبير .. ولعل من أعظم العوامل التي تعين على تحقيق النصر ما ذكره الله تعالى في كتابه القويم حين قال: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا، واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون، وأطيعوا الله ورسوله، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين، ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرًا ورئاء الناس، ويصدون عن سبيل الله، والله بما يعملون محيط} الأنفال (45 - 47) .
يقول سيد قطب -رحمه الله- موضحًا هذه العوامل:"فهذه هي عوامل النصر الحقيقية: الثبات عند لقاء العدو، والاتصال بالله بالذكر. والطاعة لله والرسول. وتجنب النزاع والشقاق. والصبر على تكاليف المعركة. والحذر من البطر والرئاء والبغي ..."
1 -فأما الثبات فهو بدء الطريق إلى النصر. فأثبت الفريقين أغلبهما. وما يُدري الذي آمنوا أن عدوهم يعاني أشد مما يعانون، وأنه يألم كما يألمون، ولكنه لا يرجو من الله ما يرجون، فلا مرد له من رجاء في الله يثبت أقدامه وقلبه! وأنهم لو ثبتوا لحظة أخرى فسينخذل عدوهم وينهار، وما الذي يزلزل أقدام الذين آمنوا وهم واثقون من إحدى الحسنيين: الشهادة أو النصر؟ بينما عدوهم لا يريد إلاّ الحياة الدنيا، وهو حريص على هذه الحياة التي لا أمل له وراءها ولا حياة له بعدها، ولا حياة له سواها؟.
2 -اذكر الله كثيرًا عند لقاء الأعداء فهو التوجيه الدائم للمؤمن، كما أنه التعليم المطرد الذي استقر في قلوب العصبة المؤمنة، وحكاه عنها القرآن الكريم في تاريخ الأمة المسلمة في موكب الإيمان التاريخي ...
إن ذكر الله عند لقاء العدو يؤدي وظائف شتى: إنه الاتصال بالقوة التي لا تغلب، والثقة بالله الذي ينصر أولياءه .. وهو في الوقت ذاته استحضار حقيقة المعركة وبواعثها وأهدافها، فهي معركة لله، لتقرير ألوهيته في الأرض، وطرد الطواغيت المغتصبة لهذه الألوهية، وإذن فهي معركة لتكون كلمة الله هي العليا، لا للسيطرة، ولا للمغنم، ولا للاستعلاء الشخصي أو القومي .. كما أنه توكيد لهذا الواجب -واجب ذكر الله- في أحرج الساعات وأشد المواقف .. وكلها إيماءات ذات قيمة في المعركة، يحققها هذا التعليم الرباني."ومما يدخل في ذكر الله: كثرة الاستغفار والتسبيح كما وجه الله تعالى نبيه الكريم بقوله تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق، واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار} غافر (55) . فهذا هو الزاد، في طريق الصبر الطويل الشاق، استغفار للذنب، وتسبيح بحمد الرب، والاستغفار المصحوب بالتسبيح وشيك أن يجاب، وهو في ذاته تربية للنفس وإعداد، وتطهير للقلب وزكاة. وهذه هي صورة النصر التي تتم في القلب، فتعقبها الصورة الأخرى في واقع الحياة .... هذا هو المنهج الذي اختاره الله لتوفير عدة الطريق إلى النصر وتهيئة الزاد، ولا بد لكل معركة من عدة ومن زاد ..".