أحدنا قول الحسن: (رحم الله رجلًا لم يغره كثرة ما يرى من الناس. ابن آدم؛ إنك تموت وحدك، وتدخل القبر وحدك، وتبعث وحدك، وتحاسب وحدك) . جعل الله أعمال الجميع صوابًا خالصة لوجهه الكريم، لا رياء ولا سمعة، ولا عجب ولا منة، بل المنة والفضل لمن هدى ووفق وأعان وسدد جل وعلا.
6 -ومن عوامل النصر: التجرد الكامل لله تعالى، وثبوت حقيقة الإيمان في القلوب .. فنصر الله تعالى إنما يكون للذين آمنوا واستقر الإيمان في قلوبهم كما قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا .. } غافر (51) ومن هذه الآية يتبين"إن وعد الله قائم لرسله وللذين آمنوا، ولا بد أن توجد حقيقة الإيمان في القلوب التي ينطبق هذا الوعد عليها. وحقيقة الإيمان كثيرًا ما يتجوز الناس فيها، وهي لا توجد إلاّ حين يخلو القلب من الشرك في كل صوره وأشكاله. وإن هنالك لأشكالًا من الشرك خفية، لا يخلص منها القلب إلاّ حين يتوجه لله وحده، ويتوكل عليه وحده، ويطمئن إلى قضاء الله فيه، وقدره عليه، ويحس أن الله وحده هو الذي يصرفه، فلا خيرة له إلاّ ما اختار الله. ويتلقى هذا بالطمأنينة والثقة والرضا والقبول. وحين يصل إلى هذه الدرجة فلن يقدم بين يدي الله، ولن يقترح عليه صورة معينة من صور النصر أو صور الخير، فسيكل هذا كله لله، ويلتزم. ويتلقى كل ما يصيبه على انه الخير .. وذلك معنى من معاني النصر .. النصر على الذات والشهوات، وهو النصر الداخلي الذي لا يتم نصر خارجي بدونه بحال من الأحوال". ومن الآيات الدالة على هذا المعنى -أيضًا- قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، والذين كفروا فتعسًا لهم وأضل أعمالهم، ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم} محمد (7 - 9) وهنا نسأل:"كيف ينصر المؤمنون الله، حتى يقوموا بالشرط، وينالوا ما شرط لهم من النصر والتثبيت؟"ونجيب:"إن لله في نفوسهم أن تتجرد له، وألا تشرك به شيئًا، شركًا ظاهرًا أو خفيًا، وألا تستبقي فيها معه أحدًا ولا شيئًا، وأن يكون الله أحب إليها من ذاتها ومن كل ما تحب وتهوى، وأن تحكمه في رغباتها ونزواتها وحركاتها وسكناتها، وسرها وعلانيتها، ونشاطها كله وخلجاتها .. فهذا نصر الله في ذوات النفوس. وإن لله شريعة ومنهاجًا للحياة، تقوم على قواعد وموازين وقيم وتصور خاص للوجود كله وللحياة .. ونصر الله يتحقق بنصرة شريعته ومنهاجه، ومحاولة تحكيمها في الحياة كلها بدون استثناء، فهذا نصر الله في واقع الحياة. ونقف لحظة أمام قوله تعالى: {والذين قتلوا في سبيل الله} .وقوله .. {إن تنصروا الله} وفي كلتا الحالتين. حالة القتل وحالة النصر. يشترط أن يكون هذا في الله وهذا في سبيل الله. وهي لفته بديهية، ولكن كثيرًا من الغبش يغطى عليها عندما تتحرف العقيدة في بعض الأجيال. وعندما تمتهن كلمات الشهادة والشهداء والجهاد وترخص، وتنحرف عن معناها الوحيد القويم. إنه لا جهاد ولا شهادة ولا جنة إلا حين يكون الجهاد في سبيل الله وحده، والموت في سبيله وحده، والنصرة له وحده، في ذات النفس وفي منهج الحياة. لا جهاد ولا شهادة ولا جنة إلا حين يكون الهدف هو أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن تهيمن شريعته ومنهاجه في ضمائر الناس وأخلاقهم وسلوكهم، وفي أوضاعهم وتشريعهم ونظامهم على السواء ... الخ"
7 -التوكل على الله تعالى في السراء والضراء: