فهرس الكتاب
والجواب: إنما يقع السؤال عن الشكر، والتقدير: ثم لنسألنهم يومئذ عن شكر النعيم. وكذلك يقدر في قوله صلى الله عليه وسلم: «لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة» ، أي شكر هذا النعيم. والشكر على النعم واجب بدليل الآية والحديث المذكورين، ولقوله تعالى: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا} ، والتقدير: بدلوا شكر نعمة الله كفرًا. فذمهم على ذلك، والذم على الترك يقتضي وجوب المتروك.
فإن قيل: كل واجب، فلا بد له من حد ليعلم المكلف
[فوائد في مشكل القرآن: 259]
إذا أتى، هل أتى بما كلف به أم لا؟ فما حد الشكر، وما هو؟
قلنا: الشكر طاعة الله. وهو على قسمين: واجب، ومندوب. فالمندوب لا حد له. فكل من تقرب إلى الله عز وجل بطاعة ليست واجبة، من صلاة وصيام وغير ذلك من القربات كان شاكرًا لله تعالى بها. فمن زاد، زاد شكره، ومن قصر قصر شكره. والواجب من الشكر فعل الواجبات واجتناب المحرمات. والدليل على ذلك قوله عز وجل: {اعملوا آل داود شكرا} . ثم قال: {فاعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم} ، فجعل تكاليفهم شكرًا. وعاقبهم على ترك الشكر بإرسال السيل. وقوله صلى الله عليه وسلم - لما قام حتى تورمت قدماه. فقيل له: أتكلف هذا، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك - فقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» . وصيغة «فعول» موضوعة للزيادة على «فاعل» ، فأحل نفسه فوق مرتبة الشاكر بالقيام. فدل على أن ما عدا «القيام» من الأعمال، يقع به الشكر ويكون (العبد شاكرًا به) .
[فوائد في مشكل القرآن: 260]
سورة الناس (114)
قوله عز وجل: {قل أعوذ برب الناس} (114: 1) فيه أسئلة:
الأول: لم أقيم الظاهر مقام المضمر في قوله: {ملك الناس} (آية 2) وما بعده وكان الأصل أن يقال: ملكهم وإلههم.
الثاني: أن أسماء الله إنما يذكر منها في كل موضع ما يناسب سياق ذلك المعنى فما وجه مناسبة الرب، والملك، والإله للاستعاذة؟
الثالث: أن قوله: «والناس» (آية 6) معطوف على ماذا؟
والجواب عن الأول: أن الظاهر أقيم مقام المضمر لوجوه: الأول: أن رب الناس: المراد به المصلح. ولا شك أن كل الناس لم يحصل لهم الصلاح، وهو عام مخصوص، وملك الناس عام. فلو قال ملكهم، لم يعم الملك تدبير سائر الناس، لأنه حينئذ يكون عائدًا على الجماعة المرادين من النص الأول فقط. فأتي بالظاهر ليعم سائر الناس. ولو قال: إلههم - والمراد بالإله المعبود - لكان يلزم أن كل الناس عبدوا الله عز وجل، لأن ضمير العام عام، وهذا خبر، لكن الأمر
[فوائد في مشكل القرآن: 261]
ليس كذلك. فأتي بالظاهر لنفي هذا المحذور.
أو نقول: الاستعاذة في معنى الدعاء، وهو مطلوب فيه التعظيم والتفخيم. ومن عادتهم إذا عظموا أمرًا أقاموا الظاهر فيه مقام المضمر، كقوله عز وجل: {وما أدراك ما القارعة} وكان الأصل: وما أدراك ما هي؟ وكقول الشاعر: «ما لي أرى الموت لا يسبق الموت شيء» . وكان الأصل: لا يسبقه شيء.