فهرس الكتاب
الوجه الأول
إنه لما قصّ الله تبارك وتعالى قصة نوح في هذه السورة -سورة هود- عليه السلام، على نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- على وجهٍ لم يذكره في غيرها من استيعاب وصفها، وإحكام أحكام ألفاظها ورصفها. فأخبر تعالى: أنه لما تناهى أمر الطوفان العام، وأغرق أهل الأرض إلا أصحاب السفينة، أمر الأرض أن تبلع ماءها، أي الذي نبع منها، وأمر السماء أن تقلع عن المطر النازل عنها أمرًا حقيقيًا، فبلعت الأرض الماء، الذي نبع منها، أي استردته، وأقلعت السماء عن المطر، أي أمسكت امتثالًا لأمر الله تعالى حقيقة، وغاض الماء السماوي، كما ذكره صاحب المفتاح وهو المختار أو ماء الأرض وماء السماء كما قدّره صاحب الكشَّاف.
وأهلك الله أهل الأرض قاطبةٌ، فلم يبق منهم أحدًا إجابة لدعوة نوح عليه السلام.
واستوت السفينة حينئذٍ على جبل الجودي، وقيل بعد ذلك (بُعْدًا) أي: هلاكًا ولعنًا للقوم الظالمين، أي قوم نوح الذين ظلموا نبيهم بتكذيبه وأنفسهم بالكفر بالله تعالى.
أما كون الطوفان عامًا: فلاجتماع الأمم وأهل الملل واتفاق العلماء والمفسِّرين، وللأدلة الواردة من الكتاب والسنة تلويحًا وتصريحًا.
قال تعالى حاكيًا عن نوح عليه السلام حين دعا ربه: {لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح 71/ 26] أي: ساكن دارٍ، أو من يدور.
قال المفسرون: فاستجاب الله له فأغرق ممن على وجه الأرض سوى أصحاب السفينة.
وقال تعالى: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} [العنكبوت 29/ 15] وقوله: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ} [الشعراء 26/ 119 - 120] أي: الذين بقوا فلم يركبوا السفينة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة حكاية عن نوح: «وكانت لي دعوة فدعوت بها على قومي» ، وقومه أهل الأرض كما سيأتي، وهذا متَّفق عليه. وفي صحيح البخاري أيضًا عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجتمع المؤمنون يوم القيامة .. » الحديث وفيه: ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض فيأتونه» وذكر تمام الحديث. وهذا أيضًا متفق عليه.
وقال شيخنا العلامة شيخ الإسلام، وحافظ الشام، أبو الفدا إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي، رحمه الله، في كتابه البداية والنهاية: «قال جماعة من المفسرين: ارتفع الماء على أعلى جبل في الأرض خمسة عشر ذراعًا، وهو الذي