فهرس الكتاب
أحدهما: أن الله تعالى أعلم بما كانوا عاملين، وأنه علم أنهم يكونون كآبائهم كفارًا، كما ثبت من حديث ابن عباس أنه سئل عليه السلام عن ذراري المشركين، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين.
والثاني: أن دعوة نوح عليه السلام بإهلاكهم كانت متقدمة إغراقهم بسنين
عديدة، كما دلت عليه الأحاديث. وقد أخبر أنهم لا يلدون إلا فاجرًا كفارًا. ولا شك أن ذلك كان بإعلام من الله تعالى، فعلم منهم ما علم الخضر من الغلام فلا إشكال والله أعلم.
وأما ما حكاه بعض المفسرين من أنه «ما نجا من الغرق غير عوج بن عنق كان الماء إلى حجزته، وكان سبب نجاته أن نوحًا احتاج إلى خشب ساجٍ للسفينة فلم يمكنه (نقله فحمله) عوج إليه من الشام فنجاه الله تعالى من الغرق لذلك، وهذا كذب صراح.
والعجب من مثل البغوي كيف حكاه وهو مخالفٌ لنص القرآن، من مفتعلات الإسرائيليين ومختلقاتهم وتمسخراتهم المخالفة للعقل والنقل، وكم من حكاية يحكونها عن عوج هذا. وهل أبقى الله تعالى واحدًا من الكافرين؟ وهل خلق الله تعالى واحدًا بعد آدم عليه السلام أطول منه؟ مع صريح قوله صلى الله عليه وسلم «إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعًا ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن» .
قال شيخنا العلامة ابن كثير في تأريخه: «والمقصود أن الله لم يبق من الكافرين ديَّارًا، فكيف يزعم بعض المفسِّرين أن عوج بن عنق، ويقال (ابن) عناق كان موجودًا قبل نوح إلى زمان موسى ويقولون كان كافرًا، متمردًا، جبَّارًا،
[كفاية الألمعي: 100]
عنيدًا، ويقولون كان لغير رشده ولدته أمه عنق بنت آدم، (من زنا وأنه) كان يأخذ من طوله السمك من قرار البحار، ويشويه في عين الشمس، وأنه كان يقول لنوح وهو في السفينة: ما هذه القصيعة التي لك؟ ويستهزئ به، ويذكرون أنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع، وثلاثمائة و (ثلاثة وثلاثين ذراعًا وثلثًا) ، إلى غير ذلك من الهذيانات، التي لولا أنها مسطَّرة في كثيرٍ من كتب التفاسير وغيرها من التواريخ وأيام الناس لما تعرضنا لحكايتها، لسقاطتها وركاكتها، ثم أنها مخالفة للمعقول والمنقول.
أما العقل فكيف يسوغ فيه أن يهلك الله ولد نوح لكفره، وأبوه نبيُّ الأمة وزعيم أهل الإيمان، ولا يهلك عوج بن عنق، وهو أظلم وأطغى على ما ذكروا، وكيف لا يرحم الله منهم أحدًا ولا أم الصبي ولا الصبي ويترك هذا الدعي الجبار العنيد الفاجر الشديد؟.
وأما المنقول فقد قال الله تعالى: {ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ .. } [الشعراء 26/ 66] وقال: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح 71/ 26] ، ثم هذا القول الذي ذكروه مخالف لما ثبت في الصحيحين «يعني الحديث المتقدم» انتهى.