فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 83

أما المتكلم فكونه أراد ذلك المعنى الذي عيَّنه الصارف.

وأما الواضع فكونه وضع اللفظ المذكور دالًا على هذا المعنى فإن لم تكن دعواه مطابقة كان كاذبًا على المتكلِّم والواضع بخلاف مدَّعي الحقيقة، فإنّها إذا تضمنت دعواه إرادة المتكلم للحقيقة وإرادة الواضع كان صادقًا. أما صدقه على الواضع فظاهر، وأما صدقه على المتكلِّم، فإن معرفة مراد المتكلم إنما تحصل لعادته من كلامه وأنه إنما يخاطب غيره للتفهيم والبيان، فمتى عرف ذلك من عادته وخاطبنا بما هو المفهوم من ذلك الخطاب علمنا أنه مراده. وهذا من الواضح الذي لا خفاء به والله أعلم.

وغاية ما احتج به من حمل الآية على المجاز، أن الأرض والسماء من الجماد والجماد لا يتوجه إليه خطاب ولا أمر لأنها لا تعقل، وهذا غلط ظاهر

[كفاية الألمعي: 106]

ممنوع بالكتاب والسنة وإجماع ما يعتدُّ به من علماء الأمة. قال تعالى: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: 2/ 74] .

قال مجاهد، وغيره من أئمة التفسير: كل حجر يفجر منه الماء أو يشقق عن ماءٍ أو تردى من رأس جبلٍ فهو من خشية الله، نزل به القرآن.

وقال تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء 21/ 69] .

قال ابن عباس ترجمان القرآن: لم يبقَ نار في الأرض إلا طفئت وقال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: لو لم يتبع بردها سلامًا لمات إبراهيم عليه السلام من بردها، فلم يبق يومئذٍ نار في الأرض إلا طفئت، ظنًا أنها تعنى.

وقد روينا معناه من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه: «أوحى الله إلى النار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم» ولوا أنه قال «وسلامًا» لآذاه البرد أو قتله، وكذا قال ابن عباس وأبو العالية وغير واحد من المفسرين.

[كفاية الألمعي: 107]

وقال تعالى في شأن داود عليه السلام:

{وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ} [الأنبياء 21/ 79] .

قال أهل التفسير: إنه كان إذا وجد فترة أمر الجبال فسبحت حتى يشتاق هو فيسبح، وقال وهب بن منبه: كانت الجبال تجاوبه بالتسبيح، وإلى ذلك أشار بقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} [سبأ 34/ 410] .

وقال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا} [الأحزاب 33/ 72] الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت