فهرس الكتاب
وأقول: فلا يلزم من كونه بعث إلى قومه أن لا تكون رسالته عامة لأن قومه هم كفار ذلك الزمان، وهو أول رسول بعث إلى بني آدم كما في الأحاديث الصحيحة، وقوم كل نبي من أرسل إليهم.
[كفاية الألمعي: 116]
وقد لبث فيهم يدعوهم إلى الإيمان ألف سنة إلا خمسين عامًا، فما آمن به إلا قليل. وعن ابن عباس: كانوا ثمانين نفسًا، وعلى هذا أكثر المفسرين. وعن كعب الأحبار: اثنين وسبعين، وقيل: عشرة، وقيل: بنوه الثلاثة: سام وحام ويافث ونساؤهم. فقومه هم الكافرون في ذلك الزمان.
ولم ينقل أنه -عليه السلام- كان في موضع مخصوص، ولا عند قوم مخصوصين وإنما أرسله الله تعالى إلى الكفار لينذرهم، وكان من على وجه الأرض إذ ذاك كفارًا، ولهذا عمَّ في الدعاء، فقال: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح 71/ 26] كما تقدم. فاستجاب الله تعالى دعاءه، وأغرق من كان على وجه الأرض، ولم يسلم إلا من كان معه في السفينة، لأن الله تعالى لم يغرق منهم مؤمنًا ولا من لم تبلغه دعوة نوح عليه السلام.
ويبعد عقلًا أو يمتنع أن يلبث نبي قريب ألف سنة ينذر الكفار، وأهل الأرض كفار فلا تبلغهم دعوته سيما ذلك الزمان والبلاد محصورة، والناس على حالهم كما كانوا، وغاية ما يكون عامرًا من كرة الأرض يقطع في سنتين أو ثلاث أو نحو ذلك. ولهذا وقع التعميم في دعائه، وما كان ليدعو على من لا رآه ولا بلغته دعوته.
[كفاية الألمعي: 117]
ومما يوضح ذلك اختلاف السلف من المفسرين في معنى التنور، وأين كان. فعن ابن عباس رضي الله عنهما: التنور وجه الأرض، وعنه أيضًا: عين بالهند، وعنه أيضًا: يريد التنور الذي نخبز فيه. وقاله الحسن أيضًا، وقال: كان تنورًا من حجارة، وكان لحواء حتى صار إلى نوح.
وقال مقاتل: كان ذلك تنور آدم عليه السلام.
وقيل: أراد التنانير التي هي مكان النار، صارت بفور الماء معجزة. قال شيخنا ابن كثير: وهذا قول جمهور السلف وعلماء الخلف.
وقال قتادة: عين بالجزيرة يقال لها عين الوردة، وقيل موضع بالشام من أرض البقاع يعرف إلى اليوم بالتنور. وقال مجاهد والشعبي: كان هذا التنور بالكوفة، حتى كان الشعبي يحلف بالله: «ما فار التنور إلا من ناحية الكوفة» . وعن قتادة أيضًا: التنور أشرف موضع في الأرض وأعلى مكان فيها. وعن عليّ بن أبي طالب: فار التنور أي طلع الفجر ونور الصبح.
[كفاية الألمعي: 118]
فاختلافهم في مكانه دليل على أن نوحًا عليه السلام لم يكن لقوم مخصوصين إذ كانوا ملة واحدة يعبدون الأصنام فهم في ذلك أمة واحدة.