فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 83

وهو مردود بما قدمنا، فقد أجمع من يعتد به من العلماء رحمهم الله على أن ما ورد من الأحاديث عنه عليه السلام: «من قال صبيحة كل يوم أو مساءه كذا فعله

[كفاية الألمعي: 128]

كذا، ومن قال كذا فله كذا، لا بدَّ من التلفظ به، فقالوا كل ذلك مشروع واجبًا كان أو مستحبًا، لا يعتد بشيء منه حتى يتلفظ به ويسمع نفسه.

فإن قيل: فما نقول في قوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا كان يوم صيام أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم» يقوله بقلبه أو لسانه.

قلت: فيه قولان للعلماء، هما وجهان لأصحاب الشافعي. وقد جزم الشافعي بالأول فقال: قال الأئمة كذا وكذا ومعناه أنه يذكر نفسه بذلك لينزجر فإنه لا معنى لذكره باللسان إلا إظهار العبادة وهو رياء.

وقال الشيخ محيي الدين النووي في التحرير وفي الأذكار: أظهر الوجهين أنه يقول بلسانه وقال في شرح المهذب: إنه الأقوى. قال: فإن جمع بينهما فحسن، وقال: إنه يستحب تكراره مرتين أو ثلاثًا لأن ذلك أقرب إلى إمساك صاحبه عنه.

[كفاية الألمعي: 129]

وحكى الروياني وجهًا (آخر) واستحسنه: وهو أنه إن كان صوم رمضان فيقوله بلسانه، وإن كان نفلًا فبقلبه.

أقول: سبب عدول من عدل هنا الحقيقة إلى المجاز خوف الوقوع في الرياء، وإذا حصل معنى ظاهر يرجِّح المجاز يجوز المصير إليه، وما ذكره الروياني من العمل بالحقيقة في صوم رمضان وبالمجاز في النفل وجه ظاهر، لأن الفرض مأمور به فلا يخشى الرياء في الإخبار به بخلاف النفل، والله تعالى أعلم.

وإذا عرف ذلك فنقول: أصل هذا الفعل (قَوَلَ) فلما فتحت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، فلما بُنِيَ للمفعول هو وسائر أخواته من معتل العين الواوي واليائي، جرت للعرب في ذلك ثلاث لغات:

الأولى: كسر فاء الكلمة كسرًا خالصًا فتنقلب الألف ياءٌ فنقول: قِيلَ وبيع، وهذه لغة الحجازيين: قريش ومن جاورهم وربَّما قرأ بها أكثر القراء.

الثانية: إشمام الكسرة الضم: وهي لغة كثيرة من قيس وعامَّة أسد،

[كفاية الألمعي: 130]

وبها قرأ الكسائي وابن عامر في رواية هشام، ويعقوب في رواية (رويس) .

الثالثة: إخلاص ضمة الفاء فتنقلب الألف واوًا، فنقول: (قُوْلَ) و (بُوعَ) ، وهي لغة فقعس ودبير وهما من فصحاء بني أسد وموجودة في لغة هذيل.

فإن قيل: فما الباعث على حذف الفاعل في هذا الباب وإقامة المفعول مقامه؟

[كفاية الألمعي: 131]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت