فهرس الكتاب
الثاني: وأشار إليه الطيبي: أنه لو حمل على العموم للزم ذهاب المياه كلَّها لورود الأمر وصدور الحكم الربَّاني.
الثالث: أشار إليه أيضًا: أنه بهذا ينتظم (غِيضَ الماء) في سلك (قيل) و (قُضِيَ) ، فلا يكون تابعًا للأمرين، إذ يصير التقدير: (يا أرض ابلعي ماءك) ، فبلعت، (يا سماء أقلعي) عن إرسال الماء فأقلعت (وعيض الماء) الذي نزل من السماء.
[كفاية الألمعي: 138]
الرابع: أنه لو لم يحصل منهما الامتثال الحقيقي بحسب ما أُمِرا به لقيل (فَغِيْضَ) بالفاء لمجيئه جوابًا.
وما قدره صاحب الكشاف من قوله: «فامتثلا، وغيض الماء دليل (قلت) عليه لأنه لا يصح الامتثال الحقيقي منهما لابتلاع الأرض ماءها، وإقلاع السماء عن مطرها، والله تعالى أعلم.
فإن قيل: فما نقول في الألف واللام في «الأمر» ؟ قلت: لم أر من تعرّض لذلك من المفسرين. والظاهر أنها للعهد الذكري المتقدِّم في هذه القصة وهو قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ} [هود 11/ 40] . ويحتمل أن يون ذهنيًا، أي: أمر هلاكهم.
وأما في «الجودي» فليست من هذا الباب، إذ فيه زيادة كما سيأتي، والله أعلم.
وأما الأداة في «الظالمين» من قوله {بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [هود 11/ 44] فتحتمل العهد وتحتمل الاستغراق، وكذا في (للقوم) ، وسيأتي تحقيق ذلك.
وأما (قُضِيَ) : فهو فعل ماض بني للمفعول من القضاء: وهو الفصل والحكم والبت والتمام.
قال الأزهري: «القضاء في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء
[كفاية الألمعي: 139]
وتمامه. وكل ما أحكم عمله أو أتم أو ختم أو أُدِّيَ، أو أُوجِبَ، أو أُعْلِمَ، أو أُنْفِذَ، أو أمضي فقد قضي» انتهى. وأكثر هذه الوجوه محتملة هنا وترجع إلى الفصل والتمام.
قال الراغب: وقُضِيَ الأمر أي فصل تنبيهًا على أنه صار بحيث لا يمكن تلافيه.
فإن قيل: فما تقول في قولهم: «القضاء والقدر» ، قلت: قال العلماء المحققون في «القضاء المقرون بالقدر. المراد بالقدر: (التقدير) ، وبالقضاء: (الخلق) ، قال تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [فصلت 41/ 12] ، أي خلقهن. فالقضاء والقدر أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، لأن أحدهما بمنزلة الأساس وهو القدر والآخر بمنزلة البناء وهو القضاء. فمن رام الفصل بينهما رام هدم البناء ونقضه وقيل: «القدر بمنزلة المعد للكيل والقضاء بمنزلة الكيل» .
وأن القدر لو لم يكن قضاء -فمرجوٌّ أن يدفعه الله، فإذا قُضِيَ فلا مدفع له. قال تعالى: {وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا} [مريم 19/ 21] ومنه قوله تعالى: {وَقُضِيَ الْأَمْرُ} [هود 11/ 44] والله أعلم.