فهرس الكتاب
وفي أهل الجزيرة يقول القائل وقد أحسن ما شاء في استخدام التورية كاملة من الوجهين وأشار إلى رأيهم في أهل البدعتين الرفض والنصب:
أهل الجزيرة ليس يقدر قدرهم *** أعداء من هو رافضي ويزيدي
قولوا لمن بالجهل يجحد فضلهم *** أهل الجزيرة فضلوا بالجودي
فأجاد في استخدامه اللفظ في المعنيين وإيهامه بالجود الذي هو السخاء.
وقد حدّه بعض علمائنا فقالوا: «هو بذل ما يحتاج إليه عند الحاجة وإيصاله إلى ما مستحقِّه بقدر الطاقة» .
وأما قول بعضهم: حَدُّ الجود: بذل المجهود. فليس بوافٍ بالمقصود ولا شامل للمحدود، ولعله ذكره على سبيل المبالغة، وإلا فلو كان كذلك لارتفع اسم السرف والتبذير اللذين ورد الشرع بذمهما.
[كفاية الألمعي: 147]
قلت: هذا جود بني آدم، وأما جود الله سبحانه وتعالى، فقال فيه بعض المتأخرين، حد الجود: إفاضة ما ينبغي لما ينبغي لا لعوض.
ولله دَرُّ القائل:
ويظهر عيب المرء في الناس بخله *** ويستره عنهم جميعًا سخاؤه
تغط بأثواب السَّخاء فإنني *** أرى كل عيب فالسخاء غطاؤه
وهذا مقتبس من قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فيما بلغنا «كل عنبٍ الكرم يغطيه «يريد بذلك تصحيفه وهو: كل عيب الكرم يغطيه» .
واستقرَّت السفينة على الجودي يوم الأضحى من ذي الحجة كما قال قتادة وغيره من أئمة التفسير.
وأما «وقيل بُعدًا» فتقدم الكلام في (قِيْلَ) ولكن اختلفوا في القائل. فقيل: هو الله تعالى وهو الذي قال صاحب المفتاح.
وقيل: من كلام نُوحٍ وأصحابه، ومال الإمام فخر الدين إلى الثاني كما تقدم من كلامه.
والأصح بل الصحيح عندي هو الأول لأن الله تعالى يقول بعيد ذلك في قصة هود: {أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} [هود 11/ 60] ، وفي قصة ثمود: {أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ} ،
[كفاية الألمعي: 148]
وفي قصة شعيب: {أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ} [هود 11/ 95] .
والقائل في ذلك كله هو: الله تعالى، والقرآن يفسر بعضه بعضًا فيجري القول على نسقٍ واحدٍ، والله أعلم.