فهرس الكتاب
وهذه الآية جمعت أكثر ضروب الإيجاز والاقتصار مع ما أعني من كمال التوفيق بالمعنى، فإن ألفاظها قوالب معانيها، وفي بديع بيانها إعجاز معارضها ومعانيها.
الثاني: التعظيم والإجلال، وأنه تعالى لا يصدر عن غيره مثل هذا المقال، كما أشار إليه الإمام حيث قال: «إنه سبحانه في الجلال والعلو والعظمة بحيث إنه متى قيل: (قِيْلَ) لم ينصرف الفعل إلا إليه.
(ولم يتوجه الفكر إلا إلى ذلك القائل هو هو) .
الثالث: الإبهام ليذهب السامع كل مذهب ويطلب الصواب من مقصد ومطلب ويُعمِلُ العالم فيكره الصحيح ليظهر له وجه الصواب بالترجيح فيتحقق
[كفاية الألمعي: 162]
-القائل- في هذا المقام هو في الحقيقة الملك المقتدر العلام، فإن من بواعث البناء للمفعول: الإيجاز والتعظيم والإبهام، والله أعلم.
والجواب (عن) السؤال الثالث:
وهو: لم عدل إلى النداء؟ ولم يقل (وقيل للأرض) كذا (وللسماء) كذا من وجهين:
1 -أحدهما: ظهور العناية بالإقبال على المنادي تنويهًا بذكره وتشريفًا لقدره، ولهذا نزله منزلة العاقل فكان لامتثال أمره غير غافل.
وقال تعالى: {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء 21/ 69] «يا آدم» «يا نوح» «يا إبراهيم» «يا موسى» «يا عيسى» {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت 29/ 56] يا عبادي {لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} [الزخرف 43/ 68] .
2 -والثاني: التنبيه على أن القدرة العظيمة صالحة بأن تصير هذه الأجرام الجسيمة إلى حال من يعقل، وتوصل مثل هذه الجمادات الكثيفة إلى رتبة من يعقل، وإلا فخطاب من لا يعقل مهمل، والإقبال عليه بالأمر أمر معضل وقد مضى تقرير ذلك بحقه.
والجواب عن السؤال الرابع:
في وجه تقديم الأرض على السماء في هذا المكان، وهذا يستدعي ذكر قاعدة يعلم بها الحكمة في الحديث والقرآن، وهو نوع من أنواع علم المعاني والبيان كما سيأتي في بابه. فإنه لا بدّ من الوقوف على الحكمة في تقديم ما قُدِّم في القرآن وتأخر ما أُخِّر، كتقديم الأرض على السماء في هذا الموضع ونحوه
[كفاية الألمعي: 163]
وتقديم السماء على الأرض في سائر القرآن، وكنحو تقديم (السمع والبصر) و (الظلمات والنور) و (الجن والإنس) في أكثر المواضع وفي بعضها الإنس. وكنحو (سميع عليم) ولم يأت (عليم سميع) ، وكذا (عزيز حكيم) و (غفور رحيم) وفي موضع واحد (رحيم غفور) إلى غير ذلك مما لا يكاد ينحصر. وليس شيء من ذلك يخلو من فائدة وحكمة فإنه كلام الحكيم الخبير، وقد كنت أشرت إلى ذلك في كتابي (البيان