فهرس الكتاب
والمراسي جمع (مرساة) : وهي حديدة كبيرة ثقيلة ترسى بها السفن فتدلى بالجبال الثخان حتى تبلغ قعر البحر فتثبت. قال تعالى: {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} [هود 11/ 41] أي بسم الله جريها أو إجراؤها على وجه الماء وثبوتها أو إيقافها عليه. إذا علم ذلك فليعلم:
أنه لو قال: (ورست على الجودي) لم يكن موافقًا للمعنى المراد بالاستواء، لأن الاستواء على الجبل والرسو على الماء كما تقدم من قول أهل التفسير: تشامخت الجبال يومئذ وتطاولت من الغرق وتواضع هو لله فلم يغرق، واستوت عليه سفينة نوح شهرًا.
والجواب عن السؤال السادس عشر:
وهو لم لم يصرِّح بفاعل (استوت) ليكون أظهر؟
فيقول: لو صرّح بذلك لكان تطويلًا بلا فائدة فإن الضمائر تقدمت عائدة عليها جملة بعد جملة فقال تعالى: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ} [هود 11/ 37] الآية: {فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا} [المؤمنون 23/ 27] أي في الفلك، وقال: {ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} [هود 11/ 41] وهي تجري حتى قال {اسْتَوَتْ} [الآيات من 41 - 44 من هود] أي هي يعني الفلك، والمقام مقام اختصار كما رأيت، وليس هنا ما يوجب أو يحسن إقامة الظاهر مقام المضمر من لبس وغيره.
والجواب عن السؤال السابع عشر:
وهو أنه لم يقل (بجبل الجودي) ليعلم أنه جبل.
[كفاية الألمعي: 171]
فنقول: لما كان -الجودي- علمًا لهذا الجبل المعروف، وكانت الألف واللام ليست للتعريف، بل زائدة تقع في العلم لغلبتها على من هي له كالبيت -للكعبة- والمدينة- لطيبة- والنجم- للثريا- والجودي- (لجبل) الجزيرة. لم يحتج إلى ذكر الجبل لأن هذه الأسماء في نفسها أعلام، فلو قيل على جبل الجودي لكان من إضافة الشيء إلى نفسه وهو تطويل بلا فائدة والمقام كما علمت مقام اختصار وإيجاز، فعلم أنه جبل من حيث العلمية، ولذلك يقول تعالى وتقدس: {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ} [مريم 19/ 52] {وَوَاعَدْنَا (كُمْ) جَانِبَ الطُّورِ} [طه 20/ 80] يعني بذلك جبل الطور المعروف، وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه الصلاة والسلام، ولم يقل في شيءٍ من ذلك جبل الطور إيجازًا واختصارًا للعلم به، والله أعلم.
والجواب عن السؤال الثامن عشر:
وهو هل علم السر في استقرار السفينة على جبل الجودي دون غيره؟
إنه ورد في التفسير وصح عن الإمام الكبير (التابعي الجليل الحجة في علم التفسير صاحب) الحبر البحر عبد الله بن عباس ترجمان القرآن رضي الله عنهما أنه قال: (تشامخت الجبال وتطاولت يوم الطوفان من الغرق وتواضع جبل الجودي لله تعالى فلم يغرق، فاستوت عليه السفينة) . ولله تعالى في مخلوقاته