فهرس الكتاب
كرَّر ذكر القوم في سبعة مواضع، ناسب أن يختم القصَّة عند ذكر ما آل إليه أمرهم بقوله: {بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} أي قوم نوح المقدم ذكرهم،
[كفاية الألمعي: 174]
فأتى بالألف واللام التي هي للعهد الذكري كما تقدم، فكان ذلك كقوله تعالى في آخر قصة عاد الآتية بعد هذه القصة: {أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} [هود 11/ 60] .
ولو لم يقل «للقوم» لحصل في الكلام لبس كما سيأتي بيانه في المعاني والبيان، والله أعلم.
والجواب عن السؤال الثاني (والعشرين) :
وهي ما الحكمة في قوله تعالى: {لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} دون قوله (الناس) ونحوه مما يقوم مقامه؟
إنه لا يقوم مقام -القوم- في هذا الموضع غيره، وذلك لحكمة ظريفة وفائدة شريفة ينبغي التنبيه عليه، والإصغاء إليه. وهي:
أن القوم حيث ورد الإخبار عنهم مطلقًا كان المراد بهم المخالفين لنبيهم الخارجين عن طاعته والجهلة الطغام، ومردة العوام، من قوله: قام فلان على فلان أي خالفه وخرج عليه، ومنه المقاومة في المصارعة وغيرها، وتقاوموا في الحرب: أي: قام بعضهم على بعض قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء 26/ 105] ، {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء 26/ 160] وقال تعالى: {فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ} [الحج 22/ 42 و 43] وقال عز وجل: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ} [الأنعام 6/ 66] ومعلوم أن كل قومهم لم يكذبوهم وذلك بخلاف الناس فإنه
[كفاية الألمعي: 175]
حيث أطلق يراد به الفضلاء الأكياس دون من يتناوله اللفظ تجوزًا نظرًا إلى معنى الإنسانية.
ولهذا يقال: فلان ليس فيه إنسانية. قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ} [البقرة 2/ 13] أي كما فعل من فيه معنى الإنسانية. وقال تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء 4/ 54] أي من وجد فيه معنى الإنسانية، أي إنسان كان.
وانظر إلى مخاطبة الأنبياء قومهم بلفظ يا قوم يا قوم، والله تعالى يخاطب أمة محمد صلى الله عليه وسلم ويأمره أن يخاطبهم عند الإطلاق بـ (يا أيها الناس) (قل يا أيها الناس) فتعين حينئذٍ أن يذكر هنا القوم دون الناس وغيره مما لا يقوم مقامه. وهذا من ألطف ما أُتِيَهُ العالم فهمًا في كلام الله تعالى.
والجواب عن السؤال الثالث والعشرين: