فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 83

وهو الدعاء عليهم إشعارًا وإيذانًا بتمام المراد من الإخبار عن ملخص بشأن هذه القصة وأنهم أخذوا جزاءهم وفعل بهم ما يستحقونه، {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف 18/ 49] .

[كفاية الألمعي: 182]

الوجه الرابع

فيما ظهر لنا فيه من المعاني والبيان وأنواع البديع سوى ما ذكروه فيها مع الإشارة إلى ما ذكروه أيضًا.

وقد اجتمع في هذه الآية الكريمة من ضروب المعاني والبيان والبديع، (اثنان وثلاثون ضربًا) وهي: الإيجاز، والمجاز، والاستعارة، والكناية، والإرداف، والإشارة، والتمثيل، والتورية، والإبهام، والتقديم والتأخير، والفصل والوصل، والحذف والإضمار، وحسن التعليل، وصحّة التقسيم، والإرصاد، والتسهيم، وإيراد المثل، والتجنيس والطباق، والمقابلة والمناسبة، والإيضاح (والإبداع) والاحتراس والتهذيب، والتمكين وحسن النسق، و (الائتلاف) والمساواة والانسجام والوصف.

أما (الإيجاز) : وهو العبارة عن الغرض بأقل ما يمكن من الحروف. وضدُّه (الإطناب) ، وهما من الأمور النسبية ويحققهما الكلام الوسط الذي يقال له: المساواة، وهو: ما يؤدِّي المعنى المقصود بالمطابقة فما نقص منه إن لم يخل بالمقصود فهو (الإيجاز) ، وإن أخلّ فهو (التقصير) ، وما زاد عليه، إن قصد به المبالغة فهو (الإطناب) وإلا فهو (التطويل) .

والتمييز بين ذلك يحتاج إلى تدقيق وذوق وتحقيق.

ولهذا كان حدّ البلاغة: «بُلُوغُ المتكلم بعبارته كنه مراده مع إيجاز

[كفاية الألمعي: 183]

بلا إخلال، وإطناب بلا إملال وارتقاء شأن الكلام بحسب المقام، فلكل مقام مقال.

ولله درّ القائل:

يرمون بالخطب الطوال وتارة *** وحي الملاحظ خيفة الرقباء

ومن تأمل القرآن العظيم، وأعطاه الله الفهم المستقيم، تحقق أن العليم الحكيم سيما متشابه الآيات والقصص التي كم تجرَّع منها الملحد كأس سقم فمات بالغصص، ثم الإيجاز على ضربين:

أحدهما: إيجاز قصر وهو تقليل اللفظ وتكثير المعنى لقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة 2/ 179] ، فانظر كيف نكر الحياة ليدل بأن شرعية القصاص رادعة من الإقدام على القتل غالبًا لا دائمًا. كقوله تعالى: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل 16/ 69] حيث لم يكن يعم الجميع، وأيضًا فإنه لو عرف لاقتضى أن تكون الحياة من أصلها القصاص، وليس كذلك. وانظر إلى قوله تعالى: {وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا} [الفتح 48/ 21] ، فإن المقصود فيها المبالغة في وصف الله تعالى نفسه بالقدرة عليهم مع حسن وضعه وقلّة ألفاظه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت