فهرس الكتاب
[كفاية الألمعي: 186]
وأما الكناية: قال صاحب حسن التوسل: إنه يقال لها الإرداف أيضًا وهو: أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود فيومئ به إليه ويجعله دليلًا عليه، كقولهم: فلان طويل النجاد، كثير الرماد، يعنون أنه طويل القامة، كثير القرى. فلم يذكروا المراد بلفظه الخاص بل توصلوا إليه بذكر معنى آخر هو ردفه في الوجود. ألا ترى أن القامة إذا طالت طال النجاد -وهو حمائل السيف- وإذا كثر القرى كثر رماد القدور».
ومنه قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [الزخرف 43/ 9] الآيات إلى قوله: {إِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} .
وإنما يكون جوابهم (الله) فقط فوضع الآيات موضعه والمعنى: لتنسبن خلقها إلى الذي وصف بهذه الأوصاف، وفيه دليل لقول من ذهب إلى أن اسم الله تعالى دالٌّ على الذات الجامعة للصِّفات الإلهية.
[كفاية الألمعي: 187]
ومن الكناية أيضًا: ما ذكره صاحب (حسن التوسل) قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} [آل عمران 3/ 90] ، كنّى (بنفي قبول التوبة) عن (الموت على الكفر) لأنه يردفه.
وقد تقدم من قول صاحب المفتاح في هذه من الكنايات.
-وأما الإرداف- وقد ذكر ابن أبي الأصبع: إنه زاد على الكناية وهو: أن يأتي المتكلم بلفظ قريب من المعنى المقصود يقرر ذلك المعنى به ومثله بقوله تعالى: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} قال: فإنه عبر عن استقرارها بهذا المكان استقرارًا متمكنًا بلفظ قريب بلفظ المعنى.
وقال شيخ شيوخنا الأستاذ أبو حيَّان: والإرداف في قوله: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} (استوت) كلام تام، و (على الجودي) مردف قصدًا للمبالغة في التمكن بهذا الإمكان.
-وأما الإشارة- وقد يقال لها الإيماء وهو: أن يشتمل اللفظ القليل على معانٍ كثيرة بإيمان إليها وذكر لمحة تدلّ عليها، كقوله تعالى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم 53/ 10] وقوله: {فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} [طه 20/ 78] .
[كفاية الألمعي: 188]
ومما عدوه من الإشارة في الآية قوله تعالى: {وَغِيضَ الْمَاءُ} فإنه عبر بهذين اللفظين عن معانٍ كثيرة ذكره أبو حيان وابن أبي الأصبع، وعد بعضُهم من الإشارة قول امرئ القيس: قِفَا نبْكِ من ذكرى حبيب ومنزل» فإنه في هذه الكلم (اليسيرة) وقف واستوقف، وبكى استبكى، وذكر الحبيب والمنزل في هذا