فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 83

المصراع، وما حكاه أنه سمع جارية أنشدت شعرًا، فقال: قاتلك الله ما أفصحك، قالت أو بعد قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص 28/ 7] الآية فصاحة؟

وقد جمع فيها بين أمرين ونهيين وخبرين وإشارتين ولا يخفى ما فيه على ما عرّفوا به الإشارة بل هو من بلاغة الإيجاز، بل من الإشارة.

قال الشاعر:

فظل لنا يومٌ لذيذٌ بنعمةٍ *** فقل في نعيم نحسه متغيب

وقوله في كتاب الشفاء في ذكر المعراج: «فكان بينه وبين ربِّه ما شئت من حديثه وقُربه» .

[كفاية الألمعي: 189]

-وأما التمثيل- فقال الشيخ في حسن التوسل: إنه إنما يكون من باب المجاز إذا جاء على حدّ الاستعارة مثاله قولك للمتحير: فلان يقدم رجلًا ويؤخِّر أخرى، فلو قلت إنه في تحيُّر (كمن) يقدم رجلًا ويؤخر أخرى لم يكن من باب المجاز. وكذلك قوله لمن أخذ في عمل لم يحصل منه مقصود: أراك تنفخ في غير ضرم، أو تخطّ على الماء.

قال: والفرق بين الاستعارة والتمثيل:

أن الاستعارة تجيء في المفرد والجمل والتمثيل لا يجيء إلا في الجمل خاصة.

وأما الأستاذ أبو حيان فإنه جعل التمثيل: هو أن يأتي بلفظة فيها بُعد عن لفظ المعنى الموضوع له (كقوله تعالى: {وَقُضِيَ الْأَمْرُ} ، فإنه عبَّر عن هلاك الهالكين ونجاة الناجين بلفظة فيها بُعد عن لفظ المعنى الموضوع له) .

قلت: وهذا هو التلويح عند الجمهور من علماء المعاني والبيان.

-وأما التورية- وهو الإيهام عند المتقدمين، وأصحابنا المتأخرين فرّقوا بينهما وهو الصحيح.

[كفاية الألمعي: 190]

فالتورية: أن يأتي بكلمة لها معنيان فتوطئ لها حتى تخدم في المعنيين معًا، وهو الغاية في البلاغة، وربّما وطئ لها حتى تخدم في أكثر من معنيين.

وأما (الإيهام) : فأن يأتي بكلمة ذات معنيين؛ قريب وبعيد، فيريد البعيد، أو يصحّ في أحدهما دون الآخر، وبعضهم يسمِّي الأول تورية تامة، والآخر ناقصة.

وقد أولع المتأخرون من أدباء بلادنا وأهل عصرنا بالتورية نظمًا ونثرًا فأتوا من ذلك بالمطرب والمُرقص. وأفضل من أدركناه في ذلك وأبلغ من سلك فيه أكمل المسالك، أستاذنا إمام البلاغة ومن لم يُرَ مثله ولا رأى هو مثل نفسه: جمال الدين محمد بن محمد بن محمد بن نباتة المصري مولدًا الدمشقي محتدًا رحمه الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت