فهرس الكتاب
فمن التورية التامة: ما استخرجته من القرآن العظيم قوله تعالى: {وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} [محمد 47/ 6] يصح فيه المعنيان من المعرفة والعرف الذي هو
[كفاية الألمعي: 191]
الطيب، فيصحّ أن يراد: وصفها وبينها وشَوَّقَهُم إليها، ويصح أن يراد: طيبها وزينها.
ومنه قوله قديمًا من جملة قصيدة:
وكأنما الماء القراح متيم *** كتم الهوى في قلبه فتجلَّدا
وهذا من أبلغ ما وقع في هذا الباب وأحسنه، فإن التورية وقعت فيه في ثلاث كلمات متواليات:
في الهوى، وفي قلبه، وفي تجلُّده، ولا أعلم وقع مثله لغيري.
ومما وقع لي في تورية ذات ثلاثة أوجه على لغة طي من قصيدة قلتها في شيخنا العلامة خطيب الخطباء بهاء الدين أبي البقاء السبكي رحمه الله:
إمام يكاد الصخر يعنو لوعظه *** إذا ما علا عود المنابر أورقا
ووقع في تورية ذات أربعة أوجه قولي في خطبة صداق أنشأته لبعض بنات الكبار، ولي عقده القاضي ولي الدين قاضي قضاة الشام:
منيعة ستر بكر دُر يتيمة *** فلا غرو أن قاضي القضاة لها ولي
أشرت إلى لقبه وكونه وليها وولي العقد بنفسه، فهو فعل وفاعل ولها ولي: جار ومجرور.
[كفاية الألمعي: 192]
ومن التورية التامة ذات الوجهين قولي في السلطان الكبير السيد رضاكيا الذي ألَّفت هذا الكتاب باسمه، وجعلته في خزانته العالية برسمه، خلد الله تعالى بالعدل سلطانه ونصره في الدين والدنيا وأعانه:
حبيبة قلبي إنني فيك مغرمٌ *** أسير هوى ما للعذول وما ليا
فإن تصلي أو تهجري فأنا امرؤٌ *** رضاي وحبي والهوى في رضاكيا
فالوجه الأول: اسم السيد المشار إليه ضاعف الله نعمه عليه.
والوجه الثاني: أخبر أنه لا يزل في رضا المحبوبة، و (الكاف) : كاف الخطب لها، و (يا) حرف النداء للمحبوبة، وحذف المنادى الذي هو المحبوبة وذلك لغة فصيحة ورد بها القرآن في قوله: {أَلَّا يَسْجُدُوا} [النمل 27/ 25] ، على قراءة أبي جعفر، والكسائي، ويعقوب في رواية رويس عنه، وقرأ بها أيضًا أبو عبد الرحمن السلمي والحسن البصري وحميد بن
[كفاية الألمعي: 193]
ومن ذلك قول الشماخ:
«ألا يا أصحباني قبل غارة سنجال» ، يعني: يا صاحبي أصحباني.
وقال ذو الرمة: