فهرس الكتاب
أشار إلى ما هو مشهور في بلادنا على الألسنة، أن من وقع في أمر مهول، إذا نزلت به شدَّة فإنه يقول مستغيثًا: (يا لعلي) ، وهذا هو المعنى القريب إلى الفهم المتبادر إليه، ولكن أراد اسم الوزير المذكور فحصل الإيهام على أنه يصح أن يكون أراد بهما فيكون تورية تامّة.
وكذا يصح في هذه الآية أيضًا على مقتضى قول صاحب الكشَّاف، ومن قال بقوله: إن المراد بالبُعد الهلاك فيكون من الإيهام على هذا، ويكون من التورية التامة على ما تقدّم.
وقد يصح في هذه الآية إيهام آخر على قول من جعل (ويا سماء) على حذف مضاف أي: (يا مطر السماء) أو يحتمل المعنيين ويكون البعيد منهما مرادًا، والله أعلم.
وأما التقديم والتأخير فقد تقدم الكلام فيه في السؤال الرابع، وفي هذه الآية منه تقديم الأرض على السماء، وأجبنا عن ذلك، ثم وما في الجمل والألفاظ في هذه الآية كله ظاهر المناسبة في التقديم والتأخير على أحسن نظام وأكمل تمام.
[كفاية الألمعي: 196]
وأما الفصل والوصل: «وهو العلم بمواضع العطف والاستئناف والتهدي إلى كيفية إيقاع حروف العطف في مواقعها» ، وقد تقدَّم الإشارة إليه في السؤال الأول وهو: ما الفائدة فيما عطف في هذه الآية بحرف وما لم يعطف؟ والله تعالى أعلم.
وأما الحذف والإضمار
فقد تقدمت الإشارة إلى ما في هذه الآية من ذلك في الإيجاز.
وأما حسن التعليل فهو: أن يدعى المتكلم (لوصف) علة مناسب له بأمر لطيف، إما بتصريح أو إيماء، كما أنشدنا بعض شيوخنا للأستاذ أبي حيان:
عداتي لهم فضل علي ومنةٌ *** فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا
هم فحصوا عن زلتي فاجتنبتها *** وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
وأنشدنا بعض أصحابنا ممن قدم علينا من الأندلسيين لقاضي الجماعة بغرناطة من الأندلس أبي البركات (البلفيقي) :
رعى الله إخوان الخيانة إنهم *** كفونا مؤونات البقاء على العهد
[كفاية الألمعي: 197]
فلو قد وفوا كنا أسارى حقوقهم *** نراوح ما بين النسيئة والنقد
ووقع منه في هذه الآية الكريمة قوله تعالى:
{وَغِيضَ الْمَاءُ} فإن غيض الماء علة استواء السفينة على الجودي.
ومنه قول بعض المتأخرين:
لا تضع من عظيم قوم وإن كنـ *** ـت مشارًا إليه في التعظيم