فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 83

يعني إن حصل لكم ريبٌ وشكٌ في القرآن وصدق من جاء به، وأنه لم يكن من كلام الله تعالى بل هو مفتعل ومختلق له من تلقاء نفسه، فأتوا بأدنى جزء من مثله. وهذا كمن يتحدَّى صاحبه بتصنيفه فيقول: جيء بمثله، إيتني بنصفه، إيتني بربعه، إيتني بمسألة من مثله. فإن هذا هو النهاية في التحدِّي، وإزالة العذر.

[كفاية الألمعي: 215]

ولا شك أن هذا في الحقيقة خطاب لأهل الأرض أجمعين، ومن المحال أن يأتي واحد منهم بكلام يفتعله ويختلقه ثم يطالب أهل الأرض بأجمعهم أن يعارضوه في أيسر جزءٍ منه يكون مقداره عشر كلمات من عدة ألوف ألوف، ثم يعجز الخلائق كلهم عن ذلك حتى أن الذين راموا معارضته كان ما عارضوا به من أقوى الأدلة على صدقه وأعظم البراهين على مدّعاه فإنهم أتوا بشيء يستحيي العقلاء من سماعه، ويقطعون بفظاعته وسماجته وقبح ركاكته وخسَّته. فكان كمن أظهر طيبًا لمن يشم أحد مثل طيب ريحه وتحدَّى جميع الخلق ملوكهم، وسوقتهم وعامتهم وخاصتهم، بأن أأتوا بذرة طيب مثله فاستحيى العقلاء وعرفوا عجزهم. وجاء الحَمْقَى والمجانين بعذرة خبيثة منتنة، وقالوا: قد جئنا بمثل ما جئت به! قهل يزيد هذا ما جاء به إلا قوة وبرهانًا وعظمة وجلالة؟

ثم إنه تعالى لم يكتف بهذا التقريع والتوبيخ والتعجيز حتى أكده بقوله: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [البقرة 2/ 23] {وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يونس 10/ 38] . وخطابه لأهل الأرض جميعه، كما يقول المعجز لمن يدعي (مناوءته) أجهد بكل من تقدر عليه من أصحابك وأعوانك وأوليائك ولا تبق منهم أحدًا حتى تستعين به فهذا لا يقدم عليه إلا أجهل العالم وأسخفه عقلًا وأحمقه إن كان غير واثق بصحَّة ما يدعيه، أو أكملهم وأفضلهم وأصدقهم وأوثقهم بما يقوله. هذا والنبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآيات على أصناف الخلائق؛ أميهم وكاتبهم، وعربهم وعجمهم، ويقول: (لن تستطيعوا ذلك ولن تفعلوه أبدًا) .

فيعدلون معه إلى الحرب والرضا بقتل الأحباب.

فلو قدروا على الإتيان بسورة واحدة من أقصر السور مثل (الكوثر) و (العصر) مثلًا لم يعدلوا عن ذلك إلى اختيار المحاربة وإيتام الأولاد وقتل

[كفاية الألمعي: 216]

النفوس والإقرار بالعجز عن معارضته، وتقدير النبوة بهذه الآيات له وجوه متعددة هذا أحدها.

وثانيها: إقدامُه صلى الله عليه وسلم على هذا الأمر وإسجاله على الخلائق إسجالًا عامًا إلى يوم القيامة، أنهم (لن) يفعلوا ذلك أبدًا فهذا أيضًا لا يقدم عليه ويخبر به إلا عن علم لا يتخالجه شك مستند إلى وحي من الله تعالى، وإلا فعلم البشر وقدرتهم يضعفان عن ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت