فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 83

وثالثها: النظر إلى نفس ما تحدَّى به وما اشتمل عليه من الأمور التي يعجز قويُّ البشر عن الإتيان بمثله، الذي فصاحته ونظمه وبلاغته فرد من أفرا إعجازه.

وهذا الوجه يكون معجزة لمن سمعه وتأمَّله وفهمه (والوجهان الأولان يكونان) معجزة لكل من بلغه خبره ولو لم يفهمه ويتأمّله.

فتأمل هذا الموضع من إعجاز القرآن تعرف به قصور كثير من المتكلمين في شأن إعجاز القرآن، فقد اختلفوا في وجه إعجازه على ستة أقوال:

أحدها: قول النظام وأصحابه وهو أن الله تعالى ما أنزل القرآن ليكون حجة على النبوة بل هو كسائر الكتب المنزلة لبيان الأحكام من الحلال والحرام، والعرب إنما لم يعارضوه لأن الله تعالى صرفهم عن ذلك وسلب قدرتهم، وهذا باطل من ثلاثة وجوه:

[كفاية الألمعي: 217]

أحدها: أن عجز العرب لو كان للصرف عنها بعد أن كانوا قادرين عليها لما كانوا يستعظمون فصاحة القرآن، بل ينبغي أن يكون تعجُّبهم من تعذر ذلك عليهم بعد أن كان مقدورًا لهم، كما أن نبينا صلى الله عليه وسلم لو قال: معجزتي أن أضع يدي على رأسي هذه الساعة ويكون ذلك متعذرًا عليكم ويكون الأمر كما قال لم يكن تعجب القوم من وضعه يده على رأسه بل من تعذُّر ذلك عليهم.

ولما عُلِمَ بالضرورة أن تعجب العرب كان من فصاحة القرآن نفسها بطل ما قاله النظام ومن قال بقوله.

الثاني: لو كان كلامهم مقارنًا في الفصاحة قبل التحدِّي لفصاحة القرآن لوجب أن يعارضوه بذلك وكان الفرق من كلامهم بعد التحدي، ولما لم يكن ذلك بطل ذلك.

الثالث: إن نسيان الصيغة المعلومة في مدة يسيرة تدل على زوال العقل، ومعلوم أن العرب ما زال عقولهم بعد التحدي فبطل قول النظامية ومن وافقهم.

والقول الثاني: أن إعجاز القرآن في أن أسلوبه مخالف لأسلوب الشعر والخطب والرَّسائل سيّما مطالع السور ومقاطع الآي مثل: يعملون وتؤمنون وهذا أيضًا باطل من خمسة أوجه، ذكرها أيضًا الإمام فخر الدين.

أحدها: لو كان الابتداء بالأسلوب معجزًا لكان الابتداء بأسلوب الشعر معجزًا.

الثاني: إن الابتداء بالأسلوب لا يمنع الغير من الإتيان بمثله.

الثالث: يلزم أن الذي تعاطاه (مسيلمة) في:

[كفاية الألمعي: 218]

(إنا أعطيناك الجماهر فصلِّ لربك وهاجر) ، وكذلك (والطاحنات طحنًا) في أعلى مراتب الفصاحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت