فهرس الكتاب
الرابع: إنا لما فضلنا بين قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة 2/ 179] وبين قولهم: (القتل أنفى للقتل) لم تكن المفاضلة بسبب الوزن والإعجاز، إنما يتعلق بما به ظهرت الفضيلة.
الخامس: إن وصف العرب القرآن بقولهم: (إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة) لا يليق بالأسلوب.
والقول الثالث: أن الإعجاز في أنه ليس فيه اختلاف تباين وتناقض. وهذا أيضًا باطل لأن التحدي كما وقع بالقرآن كله فقد وقع بالسورة، وقد يوجد في خطبهم ما مقداره مقدار سورة الكوثر ولا يكون فيه اختلاف وتناقض.
والقول الرابع: أن وجه إعجازه هو اشتماله على الغيوب. وهذا أيضًا باطل لأن الغيوب التي أخبر عنها القرآن لم تقع كلها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بل جاء به على ممر الزمان على طرق كشفت لنا سورًا من القرآن اشتملت على تلك الغيوب، فلو كانوا مطلوبين بأن يأتوا بسورة من مثله مخبرة عن غيب سيكون، لنازعوا في كون ذلك، ولم يسلموا صدقه.
وجواب ثانٍ: وهو أنه قيل لهم: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ} وليس كل سورة للقرآن فيها الإخبار عن الغيوب. إنما ذلك في بعض السور دون بعض.
[كفاية الألمعي: 219]
القول الخامس: وهو الذي عليه الجمهور أن إعجازه في فصاحته وبلاغته وما خص به من النظم العجيب والأسلوب الغريب والوصف البديع ومباينته لكلام الجميع لا يشبه شيئًا من كلام البشر، ولا تماثله بلاغة من تقدَّم أو تأخر.
القول السادس: اختيار العلامة السكاكي وتبعه كثير من المتأخرين المحققين، فقال في آخر التكملة:
إن وجه إعجازه هو أمر من جنس البلاغة والفصاحة كما تجده أرباب الذوق.
وقال في المفتاح: «اعلم أن شأن الإعجاز عجيب، يدرك ولا يمكن وصفه كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها أو كالملاحة.
ومدرك الإعجاز عندي هو الذوق ليس غلا وطريق اكتساب الذوق طول خدمة هذين العلمين.
نعم، للبلاغة وجوه متلثمة، وبما تيسَّرت إماطة اللثام عنها يتجلى عليك، أما نفس الإعجاز فلا».
قلت: صدق رحمه الله وبرّ، وأدرك الحق واستقرَّ، فإن من محاسن الكلام ما لا يحكم في امتزاجه غير الذوق الصحيح، كما قال الشاعر:
شيء به فتن الورى غير الذي *** يدعى الجمال ولست أدري ما هو
والقول السابع: مما ظهر لي ولعله أحسنه الوجوه وأقربها وأولاها بالإعجاز وأنسبها. وهو أنه مع ما اشتمل عليه من البلاغة والفصاحة والذوق والملاحة إلى غير ذلك، أن كل حرف من حروفه وكل كلمة من كلماته لا يصح أن يكون