فهرس الكتاب
وسُئِلَ شيخنا إمام التفسير العلامة عماد الدين ابن كثير رحمه الله عن قوله تعالى في قصة شعيب في الأعراف: «فأخذتهم الرجفة» ، وفي هود «فأخذتهم الصيحة» ، وفي الشعراء «عذاب يوم الظلة» مع أنهم أمّة واحدة وقصة واحدة؟ فقال:
اجتمعت عليهم يوم عذابهم هذه النقم كلُّها.
وإنما ذكر في كل سياق ما يناسبه ففي الأعراف لما قالوا: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا} [الأعراف 7/ 88] ناسب أن يذكر هناك الرجفة، فرجفت بهم الأرض التي ظلموا بها وأرادوا إخراج نبيهم منها.
وفي هود لما أساءوا الأدب في مقالتهم على نبيهم ناسب ذكر الصيحة التي أسكتتهم وأخذتهم، وفي الشعراء لما قالوا: {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ} [الشعراء 26/ 187] قال: {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} .
فإن قيل: فما الحكمة في مجيء التام في قصة شعيب في قوله: {وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود 11/ 94] وحذفها من قصة صالح.
قلت: الصيحة في قصة صالح في معنى العذاب والخزي، فهي إذًا منتظمة
[كفاية الألمعي: 227]
يقوله تعالى: {وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ} [هود 11/ 66] فصارت الصيحة عبارة عن ذلك الخزي وعن العذاب المذكور في الآية فقوى التذكير، بخلاف قصة شعيب فإنه لم يذكر فيها ذلك، وهذا قول الإمام أبي القاسم السهيلي.
وقال الإمام شمس الدين ابن القيم: وعندي فيه جواب أحسن من هذا، وهو: أن الصيحة يراد بها المصدر يعني (الصياح) فيحسن فيها التذكير ويراد بها الواحد من المصدر، فيكون التأنيث أحسن وقد أخبر تعالى عن العذاب الذي أصاب قوم شعيب بثلاثة أمور كلها مؤنثة اللفظ:
أحدها: (الرجفة) كما في الأعراف.
والثاني: (الظُّلَة) كما في الشعراء.
والثالث: (الصيحة) كما في هود.
وكان ذكر الصيحة مع الرجفة أحسن من ذكر الصياح فكان ذكر التاء أحسن.
قلت: وعندي جواب ثالث وهو موافقة تأنيث ما بعده في قصة شعيب،
[كفاية الألمعي: 228]
وهو: {كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} ولم يكن ذلك في قصة صالح، فجاء على الأحسن للفضل والله أعلم.
وأما قوله في الأعراف قصة لوط: