فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 83

{بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} [الأعراف 7/ 81] (اسمًا) وفي النمل {قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل 27/ 55] (فعلًا) ، فهو لتناسب رؤوس الفواصل.

فإنه لما كان الواقع في رؤوس الآي في الأعراف كله أسماء: العالمين، الناصحين، جاثمين، المرسلين، كافرون، مؤمنون، أتى بالاسم.

ولما كان الواقع في النمل أفعالًا: تبصرون، (يتقون يعلمون) أتى فعلًا.

فإن قيل: لم عدل في النمل عن تسرفون إلى تجهلون؟ قلت: لما كان الإسراف تجاوز الحد في كل فعل، والتعدي إلى ما لا يحل ولا يجوز، ويقدم أول قصة الأعراف: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} [الأعراف 7/ 80] ناسب أن يعقبها بالإسراف الذي هو التعدي من موضع البذر والحرث إلى غيره بخلاف الجهل فإنه خلاف العلم وهو أيضًا فعل الشيء على خلاف ما حقُّه أن يفعل. فمعنى يجهلون هنا أي: يفعلون فعل الجهال، فأتى به بعد قوله تبصرون أي تعلمون أن ذلك فاحشة فلا تفعلونه إلا جهلًا بما يجب، فإن الطباع تأبى ذلك، ففعلكم ذلك جهل. فناسب كل ما قبله.

وأما قوله (فيها) في الأعراف {وَمَا كَانَ جَوَابَ} (بالواو) ، وفي غيرها (بالفاء) ، لأن ما قبله في الأعراف اسم كما ذكرنا بخلاف غيرها فإنه فعل، والفاء للتعقيد، والتعقيب يكون مع الأفعال. فقال في النمل: {تَجْهَلُونَ (55) فَمَا كَانَ} [النمل 27/ 55 و 56] ،

[كفاية الألمعي: 229]

وفي العنكبوت: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ} [العنكبوت 29/ 29] ولهذا قال في الأعراف {مُسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ} [الأعراف 7/ 81 و 82] .

وقيل: لأن الواو أم حروف العطف وهي تدل على العطف المجرد وغيرها من الحروف يدل على العطف ومعنى آخر، فجاء في الأولى بالأصل وفي غير الأول بفروعه، والله أعلم.

وأما قوله في هذه القصة في الأعراف {أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ} [الأعراف 7/ 82] ، وقال في النمل: {أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ} [النمل 27/ 56] فقيل إن سورة النمل نزلت قبل الأعراف، فصرح في الأولى وكنّى في الثانية وفيه نظر، غذ الأعراف نزلت قبل النمل، وقيل: إن ما مرّ في الأعراف ضمير فسَّره ما في النمل، والذي يظهر لي أنه لما وقع لهم منه التصريح في الأعراف ما لم يصرح لهم به في النمل من المبالغة في نكايتهم عادوا عن التصريح إلى الكناية ليكون أيضًا منهم أبلغ في الكناية، والله أعلم.

وأما قوله تعالى في الأنعام {قُلْ سِيرُوا (فِي الْأَرْضِ) ثُمَّ انْظُرُوا} [الأنعام 6/ 11] وفي غيرها {فَانْظُرُوا} [آل عمران 3/ 137، والنحل 16/ 36] ، فلأن (ثم) للمهلة والتراخي، وق تقدم في الأنعام ذكر القرون الخالية في قوله: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ} [الأنعام 6/ 6] ثم قال: {وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت