فهرس الكتاب
[كفاية الألمعي: 230]
[الأنعام 6/ 6] ، فأمروا بالسفر في الأقطار وتأمل الآثار، ولا شك أن في ذلك كثرة، فلا بد أن يقع ذلك يسير بعد سير وزمان بعد زمان، فأتى بثم الدالة على التراخي من الفعلين ليعلم أن السير على حده وأن النظر بعده مأمور به على حده.
فاختصت الأنعام بذلك، ولم يأتِ ذلك في غيرها من السور متقدمًا عليها، فلذلك اختصت بالفاء التي هي للتعقيب.
وأما قوله عز وجل في قصة شعيب من هود {اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [هود 11/ 93] بغير (فاء) ، وفي سائر القرآن بالفاء، وذلك أن الذي في قصة شعيب لم يتقدمه (قل) صار مستأنفًا فناسب فصله، بخلاف غيره، فإنه لما تقدمه (قل) الذي أمرهم به أمر وعيد وتهديد فقوله «اعملوا» أي: اعملوا فستجزون، والله أعلم.
فهذا بعض ما اتفق إيراده من أسرار إعجاز القرآن الذي يخفى على كثير ممن مارس الكتاب العزيز، وخفي عليه وجه التحدي والتعجيز.
«وقد» حكى الإمام عبد القاهر الجرجاني أن المتفلسف ركب إلى أبي العباس فقال له: إني أجد في كلام العرب حشوًا، فقال له أبو العباس: في أي موضع وجدت ذلك؟ فقال: وجدت العرب تقول: (هذا عبد الله قائم) ثم
[كفاية الألمعي: 231]
يقولون: (إن عبد الله قائمٌ) ثم يقولون: (إن عبد الله لقائم) ، فالألفاظ متكررة، والمعنى واحد.
فقال له أبو العباس: بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ.
فقولهم: (عبد الله قائمٌ) إخبارٌ عن قيامه، وقولهم: (إن عبد الله قائمٌ) ، جواب عن سؤال سائل، وقولهم: (إن عبد الله لقائمٌ) ، جواب عن إنكار منكر قيامه. (فقد تكررت الألفاظ لتكرار المعاني) فما أحار المتفلسف جوابًا، فإذا ذهب مثل هذا على الكندي فما الظن بغيره؟».
ولهذا طعن بعض من لا يفهم من أهل الإلحاد في القرآن من جهة التكرار والتطويل، ولم يعلم أن من عادة الفصحاء والبلغاء أن يكرروا القضية الواحدة في مواضع مختلفة فتتجدد في مواضع، وهذا من لطيف محاوراتهم وطريق تصرفهم في عباراتهم.
وإنما يعاب التكرار إذا كان في الموضع الواحد وقد أنزل الله تبارك وتعالى القرآن على رسوله صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة حالًا بعد حال وشيئًا بعد شيء، وكان صلى الله عليه وسلم يضيق صدره لما يناله من الكفار، فكان سبحانه وتعالى يسليه بما ينزل عليه من الوحي من قصص من تقدَّم من الأنبياء عليهم السلام بحسب ما يعلمه من الصلاح. فلهذا قال تعالى: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود 11/ 120] .