فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 83

وأما قول أبي علي الجبائي المعتزلي في قوله تعالى: {لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} [الكهف 18/ 109] ، يدل على أن كلمات الله تنفد في الجملة وما ثبت عدمه انتفى قدمه. قال: وأيضًا قال: «ولو جئنا بمثله مددًا» ، وهذا أيضًا يدل على أنه تعالى قادر على أني جيء بمثل كلامه، والذي يجاء به يكون محدثًا، والذي يكون المحدث مثلًا له فهو أيضًا محدث.

قال الإمام فخر الدين: وجواب أصحابنا أن المراد منه الألفاظ الدالة على تعلُّقات تلك الكلمات.

والجواب الصحيح عندي: أن هذا ورد على وجه ضرب المثل للمبالغة في أن كلمات الله تعالى لا تنفدُ ولا آخر لها على ما هو مستحيل ونحوه.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح مما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: «يا

[كفاية الألمعي: 236]

عبادي لو أن أوَّلكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسانٍ مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما نقص المحيط إذا أدخل البحر» ومعلوم أنه لا بد للبحر من نقص ما بخلاف ما عند الله تعالى، فخرج على وجه التقدير والفرض وضرب المثل والله سبحانه أعلم.

وكقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ} [لقمان 31/ 27] الآية سر من أسرار كلام الله تعالى لا يسع هذا الموضع ذكره، نذكره في غيره إن شاء الله تعالى.

وقول الزمخشري في تفسير قوله تعالى في هود: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ} [هود 11/ 18] بعد أن ذكر قراءتي الرفع والنصب في (امرأتك) ، فقال: ففي إخراجها مع أهله روايتان: روي أنه أخرجها معهم وأُمر أن لا يلتفت منهم أحد إلا هي، فلما سمعت هدة العذاب التفتت وقالت (يا قوماه) فأدركها حجرٌ فقتلها.

وروي أنه أمر بأن يخلفها مع قومها فإن هواها إليهم فلم يسر بها.

قال: واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين.

هذا لفظه بحروفه وهو خطأ، وأحسن حيث بنى القراءتين المتواترتين على اختلاف الروايتين المتخالفتين، من أن لوطًا عليه السلام سرى بها أو لم يسر بها وهذا تكاذب في الأخبار، ومستحيل أن تكون القراءتان -وهما من كلام الله تعالى- (منزلتين) ، نعوذ بالله من ذلك.

[كفاية الألمعي: 237]

قلت: وقد اختلف في توجيه هاتين القراءتين، فالأكثرون على أن النصب على الاستثناء من «فأسر بأهلك» والرفع على البدل من «ولا يلتفت منكم أحد» والأولى عندي أن يكون الاستثناء من «فأسر بأهلك» في النصب والرفع، وذلك لأن المعنى دالٌّ عليه، فإن الله تعالى أمر لوطًا عليه السلام أن يسري

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت