فهرس الكتاب
بأهله إلا امرأته، ولو كان الاستثناء من الالتفات لكان قد نهى المسري بهم عن الالتفات، وأذن فيه للمرأة، وهذا ممتنع لوجهين:
أحدهما: أنه لم يأمره أن يسري بامرأته ولا دخلت في أهله الذين وُعد بنجاتهم.
والثاني: أنه لم يكلفهم بعدم الالتفات ويأذن فيه للمرأة، والله أعلم.
وقال آخرون يجوز الرفع والنصب على الاستثناء من قوله: «ولا يلتفت منكم أحد» فالنصب على الاستثناء والرفع على البدل من (أحد) .
قالوا: وكلاهما صحيحان فصيحان، وإن كان البدل أكثر وأفصح عند أهل العربية كما قرئ في قوله تعالى: {مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} [النساء 4/ 66] و «إلا قليلًا» ، وهو صحيح فصيح متواتر ولكن يلزم من ذلك ما تقدم من الإشكال والله تعالى أعلم.
[كفاية الألمعي: 238]
فإن قيل فما تقول في قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [إبراهيم 14/ 46] ؟، قرأه الكسائي بفتح اللام من (لتزول) ورفع الثانية، وذلك يقتضي النفي، وكل من القراءتين تقتضي مناقضة الأخرى.
فالجواب: أن المعنى في قراءة الكسائي: وإن مكرَهم كان من الشدة بحيث يقتلع الجبال الراسيات من مواضعها.
وفي قراءة غيره: «وما كان مكرهم وإن تعاظم وتفاقم لتزول منه أمة محمد صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام» ، فالجبال في قراءة الكسائي حقيقة، وفي قراءة الباقين مجاز، فلا تناقض بين القراءتين كما بيناه في كتاب (النشر) والله تعالى أعلم.
وهذا آخر ما يسَّر الله ذكره من الكلام على هذه الآية الكريمة أعني قوله سبحانه تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي} المسمى بـ (كفاية الألمعي في الكلام على أية يا أرض ابلعي) وما يتعلق بذلك لمن يفهم ويعي ويعلم أن ما أمليناه فيها قطرة من بحر لا ساحل له، وذرة من برّ لا انتهاء به، إذ القرآن العظيم لا تنتهي عجائبه ولا تفنى غرائبه كما تقدَّم في الحديث الذي رويناه عن أمير المؤمنين وإمام المتقين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وروينا عن ابن مسعود رضي الله عنه «من أراد العلم فليؤثر القرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين» .
[كفاية الألمعي: 239]
وقال بعض العلماء رحمهم الله في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ} [لقمان 31/ 27] الآية - يجوز أن يكون على حذف مضاف أي: (ما نفدت معاني كلمات الله) .