فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
واحتقار الناس، وأن الحق هو ما أنت عليه فقط، فالعلم يا أخي مفرق في الأمة، ولا تقل ما ترك الأول للآخر شيئًا، بل: تذكر قول القائل: (كم ترك الأول للآخر) [1] .
وقد قيل:
يقول من تقرع أسماعه * كم ترك الأول للآخر
وقد قال العلامة محمد بن عبد الطائي الأندلسي الدمشقي المشهور بابن مالك-رحمه الله تعالى-إمام أهل عصره في علمي العربية واللغة، وأحد مشايخ محيي الدين (النووي) المتوفى بدمشق سنة: (672 هـ) المدفون في سفح قاسيون في مقبرة الروضة، وما زال قبره معروفًا-كلمة رائعة مشبكة بحروف من ذهب في أول كتابه (التسهيل) : (وإذا كانت العلوم منحًا إلاهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين، ما عسر-فهمه-على كثير من المتقدمين) [2] .
ولا نعلمه سبحانه خص بالعلم قومًا دون قوم، ولا وقَفه على زمن دون زمن، بل: جعله مشتركًا مقسومًا بين عباده، يَفتح للآخِر منه ما أغلقه عن الأول، ويُنبه المقِلَّ منه على ما غفل عنه المكثر، ويُحييه بمتأخر ويَتعقب قول متقدم، وتالٍ يَعتبر على ماض [3] .
ولله در القائل في نظمه:
قل لمن لا يرى المعاصر شيئًا * ويرى للأوائل التقديما
إن ذاك التقديمَ كان حديثًا * وسيبقى هذا الحديث قديمًا
وقال العلامة الهمام صديق حسن خان: (كيف ونتائج الأفكار لا تقف عند حد، وتصرفات الأنظار لا تنتهي إلى غاية، بل: لكل عالم ومتعلم منها حظ يحرزه في وقته المقدر له، وليس لأحد أن يزاحمه فيه، لأن العالَم [4] المعنوي واسع كالبحر الزاخر، والفيض الإلهي، ليس له انقطاع ولا آخر، والعلوم مِنح إلهية، ومواهب صمدانية، فغير مستبعَد أن يُدخر لبعض المتأخرين ما لم يُدخر لكثير من المتقدمين.
(1) -وقد قيل: (ليس كلمةٌ أضرَّ بالعلم من قولهم:"ما ترك الأول للآخر"، لأنه يقطع الآمال عن العلم، ويحمل على التقاعد عن التعلم، قالوا: وليس كلمة أحض على طلب العلم من قول علي-رضي الله عنه-:قيمة كل امرئٍ ما يحسن) . انظر: (قواعد التحديث) (ص:38/ 39) للقاسمي، و (علو الهمة) (ص:59) .
(2) -انظر: حاشية: (الرفع والتكميل في الجرح والتعديل) (ص:51) ، و (نماذج من رسائل الأئمة السلف وأدبهم العلمي) (ص:54) لشيخ شيخنا أبي غدة، و (شفاء التبريح في ألفاظ التجريح) (ص:24) لشيخنا أبي الفضل عمر الحدوشي.
(3) -انظر: (نماذج من رسائل الأئمة السلف وأدبهم العلمي) (ص:54) .
(4) -العالَم: ما سوى الله، سُمي عالَمًا، لأنه علم على وجود الصانع تعالى. انظر: (الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة) (ص:66) للقاضي زكرياء بن محمد الأنصاري.