فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 1391

نعم، يمكن أن يحمل كلام الإمام مالك على مكة والمدينة-لشهرتهما آنذاك-، وليس على المدينة فحسب، لما رواه مسلم من حديث ابن عمر، وأبي هريرة مرفوعًا: (إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، وهو يأرِزُ [1] بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها) .

وقد علق على هذا الحديث الشيخ محمد داود بيهي بقوله: (إن الإسلام بدأ غريبًا لدى العقول غير مألوف في البيئة التي ظهر فيها لطرافته وجِدة ما فيه من شرائع وأحكام، ولا نزاع في أن الإسلام في بدئه كان غريبًا على العقول، ولهذا عاداه الكثير من العرب في بدء أمره، ولما تأملوه منصفين، وخالطت بشاشتُه قلوبَهم، وتركوا التعصب لملة آبائهم عقلوه، وكان لهم فيه الحكمة، والرأي الرائع، والعصمة من ظلمات الجهل، وانتشر في كل البقاع، وخَفقت رايته في مشارق الأرض ومغاربها) .

وللسلف الصالح كلام طيب في غرابة الإسلام:

1 -قال الأوزاعي في قوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ) : (أما إنه لا يذهب الإسلام ولكن يذهب أهل السنة حتى ما يبقى في البلد منهم إلا رجل واحد) .

2 -وقال الحسن البصري-رحمه الله-: (يا أهل السنة ترفقوا يرحمكم الله فإنكم-في زماننا-من أقل الناس) [2] .

قال الحافظ ابن رجب-رحمه الله-: (لهذا وُصف أهل السنة بالغربة في آخر الزمان لقلتهم وغربتهم فيه) .

وقد قال صالح بن عبد القدوس:

وزن الكلام إذا نطقتَ فإنما * يُبدي عُيوبَ ذوي العقول المنطق

لا ألفينك ثاويًا في غربة * إن الغريب بكل سهم يُرشق [3]

(1) -معنى قوله: (يأرز) : يرجع وينقبض ويتجمع، يقال: أرزت الحية أي: لاذت بجحرها ورجعت إليه وثبتت فيه.

(2) -ذكره الحافظ ابن رجب في: (كشف الكربة) (19) . انظر: (مجلة البحوث الإسلامية) (28/ 228) .

(3) -انظر: (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (4/ 412/رقم:175) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت