فهرس الكتاب

الصفحة 398 من 1391

قد هيأوك لأمر لو فطنت له * فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل [1]

قال أبو حامد الغزالي-رحمه الله تعالى-:(الملك والكرامة بالحقيقة في الدنيا لأولياء الله-عز وجل-وأصفيائه الراضين بقضائه، فالبر والبحر والأرض والحجر والمدر لهم ذهب وفضة، والجن والإنس والبهائم والطير لهم مسخرون، لا يشاءون إلا ما شاء الله، وما شاء الله كان، ولا يهابون أحدًا من الخلق، ويهابهم كل الخلق، ولا يخدمون أحدًا إلا الله-عز وجل-، ويخدمهم كل من دون الله، وأين لملوك الدنيا بعشر هذه الرتبة، بل: هم أقل وأذل ...

قال امرؤ القيس:

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه * وأيقن أنا لاحقان بقيصرا

فقلت له: لا تبك عينك إنما * نحاول ملكًا، أو: نموت فنعذرا

فكيف حال من يطلب الملك الكبير في دار النعيم الخالد المقيم؛ أيستكثر مع ذلك أن يصلي ركعتين لله تعالى، أو: ينفق درهمين، أو: يسهر ليلتين، كلا بل: لو كان له ألف ألف نفس، وألف ألف روح، وألف ألف عمر، كل عمر مثل الدنيا وأكبر وأكثر، فبذل ذلك كله في المطلوب العزيز؛ لكان ذلك قليلًا، ولئن ظفر بعده بما طلب؛ لكان ذلك غُنمًا عظيمًا، وفضلًا من الذي أعطاه كثيرًا) [2] .

ومعظم الناس في عصرنا يتحركون بدون هدف وبدون قصد وفي شأنهم يقول ابن القيم: (لا شيء أقبح بالإنسان أن يكون غافلًا عن الفضائل الدينية، والعلوم النافعة، والأعمال الصالحة، فمن كان كذلك فهو من الهمج الرَّعاع، الذين يكدرون الماء، ويُغلون الأسعار، إن عاش عاش غير حميد، وإن مات مات غير فقيد، فقدهم راحة للبلاد والعباد، ولا تبكي عليه السماء، ولا تستوحش لهم الغبراء) [3] .

وعالي الهمة بقدر ما يتعنى، ينال ما يتمنى، وقيمًا قيل: (من طلب الراحة، ترك الراحة) ، و (النعيم لا يُدرك بالنعيم) .

(1) -انظر: (علو الهمة) (ص:64) .

(2) -انظر: (منهاج القاصدين) (ص:247\ 248) ، و (علو الهمة) (ص:64\ 65) .

(3) -انظر: (مفتاح دار السعادة) (1/ 134) ، و (علو الهمة) (ص:50) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت