فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 1391

فلا بد أن يكون المؤرخ عالمًا، عادلًا، عارفًا بحال من يترجمه، ليس بينه وبينه من الصداقة ما قد يحمله على التعصب له، ولا من العداوة ما قد يحمله على الغض منه، وربما كان الباعثُ له على الغض من قوله مخالفةَ العقيدة، واعتقاد أنهم على ضلال، فيقع فيهم، أو: يقصر في الثناء لذلك"."

إلى أن قال-رحمه الله تعالى-:"ومنهم من تأخذه في الفروع الحمية لبعض المذاهب، ويركب الصعب والذلول في العصبية. وهذا من أسوأ أخلاقهم. ولقد رأيت في طوائف المذاهب مَن يبالغ في العصبية، بحيث يمتنع بعضُهم من الصلاة خلفَ بعض. إلى غير هذا مما يستقبح ذكره."

ويا ويح هؤلاء أين هم من الله. ولو كان الشافعي وأبو حنيفة-رحمهما الله-حيين لشددا النكير على هذه الطائفة". قال:"والجهل في المؤرخين أكثر منه في أهل الجرح والتعديل. وكذلك التعصب، قلّ أن رأيتُ تاريخًا خاليًا منه.

وأما"تاريخ"شيخنا الذهبي-غفر الله له ولا آخذه-، فإنه على حسنه وجمعه، مشحون بالتعصب المفرِط، فلقد أكثر الوقيعة في أهل الدين، أعني الفقراء الذين هم صفوة الخلق، واستطال بلسانه على كثيرين من أئمة الشافعية والحنفية" [1] ."

وقال:"فأفرط على الأشاعرة [2] ،"

(1) -قال شيخنا أبو الفضل عمر الحدوشي-فرج الله عنه-في كتابه القيم: (ذاكرة سجين مكافح) (3/ 67) : هذه مبالغة قبيحة من السبكي حمله عليها تمشعره القبيح، وتصوفه الفائح، ومن أراد أن يعرف هذا فعليه بترجمة أبي حامد الغزالي في (السير) ، و (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) ، وقد قرأت الكتابين:"السير"بالسجن المركزي بالقنيطرة، و (التاريخ) بالسجن المحلي بتطوان فما رأيت ما ادعاه السبكي. هذا، وقد رد شيخنا أبو غدة على السبكي ردًا علميًا جيدًا في كتابه: (أربع رسائل في علوم الحديث) . فليراجع ففيه متعة وفائدة.

(2) -قال شيخنا أبو الفضل: (بل: هو كذب وبهتان على شيخه العلامة المؤرخ الحافظ الذهبي ولا يستطيع-بل: هذا يكلفه مخ البعوض-أن يأتي بنص واحد على هذا الإفراط المزعوم والمرفوض) .

وقد ذكر السبكي مجنون الأشاعرة في ترجمة شيخه الحافظ الذهبي-رحمه الله- من (طبقاته) (9\ 103) واتهمه بالتعصب الشديد على الأشعري والأشاعرة الذين يسميهم السبكي أهل السنة!!! كما اتهمه بأنه شديد الميل إلى الحنابلة الذي يصفهم بالمجسمة!!

لو رجم النجمَ جميعُ الورى # لم يصلِ الرجم إلى النجم

ومما يدل على عدم تعصب الذهبي على الأشعري أنه ترجم له-أي: لأبي الحسن-في (السير) (15\ 85) قائلًا:(الأشعري العلامة إمام المتكلمين، وكان عجبًا في الذكاء، وقوة الفهم، ولما برع في معرفة الاعتزال كرهه، وتبرأ منه، وصعد للناس، فتاب إلى الله تعالى منه، ثم أخذ يرد على المعتزلة ويهتك عُوارَهم.

ثم قال: ولأبي الحسن ذكاء مفرط، وتبحر في العلم وله أشياء حسنة، وتصانيف جمة، تقضي له بسعة العلم-ثم دافع عنه قائلًا-: وقد ألف الأهوازي جزءًا في مثالب ابن أبي بشر-يعني: الأشعري-فيه أكاذيب).

واتهم السبكي أيضًا شيخه الحافظ الذهبي في (طبقاته) (2\ 22) ترجمة: أحمد بن صالح المصري، بأنه يكثر الوقيعة في أهل الدين والزهاد والعباد-يعني الصوفية-، وأنه يستطيل بلسانه على كثير من أئمة الشافعية والحنفية، وغيرها من التهم الباطلة التي فندها الشوكاني في (البدر الطالع) (2\ 111) تحت ترجمة الحافظ الذهبي-رحمه الله تعالى-قائلًا:(وجميع مصنفاته-أي: الذهبي-مقبولة مرغوب فيها، رحل إليه الناس لأجلها، وأخذوها عنه، وقرأوها في حياته، وطارت في جميع بقاع الأرض، وله فيها تعبيرات رائقة، وألفاظ رشيقة غالبًا، لم يسلك فيها مسلك أهل عصره، ولا مَن قبلهم ولا من بعدهم.

وقد أكثر التشنيع عليه تلميذه السبكي، وذكره في مواضع من"طبقاته"، ولم يأت بطائل، بل غاية ما قال:"إنه كان إذا ترجم الظاهرية والحنابلة أطال في تقريظهم، وإذا ترجم غيرهم من شافعي أو: حنفي لم يستوف ما يستحقه".

وعندي أن هذا كما قال الأول:"وتلك شكاة ظاهر عنك عارها!، فإن الرجل قد ملئ حبًا للحديث، وغلب عليه، فصار الناس عنده هم أهله، وأكثرُ محققيهم وأكابرُهم هم من كان يطيل الثناء عليه، لا مَن غلب عليه التقليد وقطع عمره في الاشتغال بما لا يفيد. ومن جملة ما قاله السبكي في صاحب الترجمة:"أنه كان إذا أخذ القلم غضب، حتى لا يدري ما يقول!"، وهذا باطل، فمصنفاته تشهد بخلاف هذه المقالة، وغالبها الإنصاف والذب عن الأفاضل، وإذا جرى قلمه بالوقيعة في أحد، فإن لم يكن من معاصريه، فهو إنما روى ذلك عن غيره، وإن كان من معاصريه، فالغالب أنه لا يفعل ذلك إ لا مع من يستحقه، وإن وقع ما يخالف ذلك نادرًا، فهذا شأن البشر، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا المعصوم، والأهوية تختلف، والمقاصد تتباين، وربك يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفونه)."

وقال الحافظ السخاوي في (الإعلان بالتوبيخ) (ص:101) :(قال التاج السبكي قيما قرأته بخطه تجاه ترجمة سلامة الصياد المنبجي الزاهد ما نصه: يا مسلم! استح من الله، كم تجازف، وكم تضع من أهل السنة الذين هم الأشعرية، ومتى كانت الحنابلة؟! -يعني: أهل السنة والجماعة-وهل ارتفع للحنابلة قط رأس؟!.

قال الحافظ السخاوي عقب هذا الهراء: وهذا أعجب العجاب، وأصعب التعصب، بل: أبلغ في خطإ الخطاب، ولهذا كتب تحت خطه بعد مدة قاضي عصرنا وشيخ المذهب العز الكناني ما نصه: وكذا والله ما ارتفع للمعطلة رأس. ثم وصف التاج بقوله: هو رجل قليل الأدب، عديم الإنصاف، جاهل بأهل السنة ورُتَبهم، يدلك على ذلك كلامه). انتهى من كتاب شيخنا أبي الفضل: (ذاكرة سجين مكافح) (3\ 67\68) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت