وقوله تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} لمعنى واحد كقولك: نظرته وانتظرته، وقدرت عليه واقتدرت عليه وحفظت واحتفظت، وجرح واجترح، ومن الكسب كقوله تعالى: {وما علمتم من الجوارح} أي الكواسب، يقال: فلان جارح أهله، أي كاسبهم، وفلوت الفلو وافتليته عن أمه. قال الأعشي:
ملمع لاعة الفؤاد إلى جحـ = ـش فلاه عنها فبئس الفالي
ويقال: رجل هاع لاع وامرأة لاعة إذا كانت مضطربة الفؤاد على نهاية الهلع، وإنما وصف بهذا أتانا.
ومثله: سرقه واسترقه و: {يكاد البرق يخطف} في معنى (يختطف) .
وقوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} المعنى فاقتصوا منه، يخرج اللفظ كلفظ ما قبله، كقول العرب:"الجزاء بالجزاء"والأول ليس بجزاء، وتقول: فعلت بفلان مثل ما فعل بي، أي اقتصصت منه، والأول بدأ ظالما، والمكافئ إنما أخذ حقه، فالفعلان متساويان، والمخرجان متباينان، إذ كان الأول ظالما، والثاني إنما أخذ حقه.
ومثله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} ، والثانية ليست بسيئة تكتب على صاحبها، ولكنها مثلها في المكروه، لأن بالثاني يقتص.
ومثله: {إنما نحن مستهزئون * الله يستهزئ بهم} .
وقال: {فيسخرون منهم. سخر الله منهم} ، وقال: {ويمكرون ويمكر الله} لما ذكرت من أوجه الكلام، وإنما مكرهم واستهزاؤهم وسخرهم معصية لله تعالى، وتوثب على أوليائه، ومكر الله واستهزاؤه وسخره عذاب لهم وتنكيل.
قال عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا = فنجهل فوق جهل الجاهلينا
لم يمتدح بأنه جاهل، إنما قصد المكافأة والشرف في قوله: فوق جهل الجاهلينا.
وقال الفرزدق:
أحلامنا تزن الجبال رزانة = وتخالنا جنا إذا لم نجهل
أي إذا جهل علينا، فكافأنا به لم نعجز عن الجهل.
وأما قوله:
وأنزلني دار النوى دار غربة = إذا شئت صاحبت امرأ لا أشاكله
فحامقته حتى يقال سجية = ولو كنت ذا عقل لكنت أعاقله
فليس من هذه مخرجه، وهذا قاصد إلى مواتاة الأحمق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من كان له صبي فليتصب له ) )أي فليكلمه بكلام الصبيان ويفعل معه أفعالهم .. بالمقاربة.
وقالوا: قوله تعالى: {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا} مجازه ما ذكرنا، لأن الرجل إلى مثله أسكن وبشكله آنس.
قال أبو الأسود الدؤلي:
إذا قلت أنصفني ولا تظلمنني = رمى كل حق أدعيه بباطل
فباطلته حتى ارعوى وهو كاره = وقد يرعوي ذو الشغب يوم التجادل