الصفحة 5 من 9

وقوله الله تعالى عند ذكر الغيث: {وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم} وقال: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة} وقال: {وأرسلنا السماء عليهم مدارارا} و {أأنتم أنزلتموه} الآية.

ثم ذكر المطر، فقال: {وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل} {وأمطرنا عليهم مطرا فانظر} الآية. وقال: {فأمطر علينا حجارة من السماء} فلم يذكر المطر إلا عذابا. فالإمطار إنزال، ولو أريد به الغيث لصلح.

وقد تصلح اللفظة لشيئين فتستعمل في أحدهما لأنها له كما للآخر، فلا نقص في ذلك ولا تقصير، ولو ذكرت في غيره مما هي له لكان ذلك محلها، قال جرير:

إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا = من الخليفة ما يرجى من المطر

يعني به الذي هو غيث وقال:

ظعن الخليط وبشرت في إثرهم = ريح يمانية بيوم ماطر

وقال:

يرجون منك إذا ما الغيث أخلفهم = سجلا وتمطرهم من كفك الديم

وهذا كثير في كلامهم، كما في ذكر الغيث: {ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات} الآية.

فلم يكن الإنزال مخصوصا به الغيث دون غيره، ولكن يكون له كما يكون لغيره، ألا تراه تعالى لما ذكر العذاب أجراه فيه، فقال: {فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء} فهذا ما ذكرنا أن لفظه مشترك فيه معنيان، ليختص به أحدهما في الموضع.

وقوله تعالى عند ذكر السحاب والغيث: {وأرسلنا الرياح لواقح} وقال: {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا} .

وقال عند ذكر العذاب: {وأما عادة فأهلكوا بريح صرصر عاتية} وقال: {كمثل ريح فيها صر} الآية. وقال: {ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا} و {وفي عاد إذا أرسلنا عليهم الريح العقيم} ، فليس من هذا قوله تعالى: {وجرين بهم بريح طيبة} .

هذا الذي ذكرنا مما هو للغيث أو العذاب، ولأهل العناية فيه قولان: قال بعضهم: لا تلقح السحاب بريح واحدة، ولكن تبدأ ريح وتقابلها أخرى، وكذا إن جرت ثلاث من الرياح.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هبت الريح: يقول: (( اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا ) ).

وقال هؤلاء: قوله:"الرياح"لريحين فأكثر، كقوله: {فإن كان له إخوة} يعني أخوين فصاعدا، وكقوله: {تسوروا المحراب. إذا دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان} ثم أبان عن العدد بقوله: {إن هذا أخي} وهذا كقول الإنسان إذا كان معه آخر: نحن فعلنا، كما يقول إذا كانوا جماعة.

واحتجوا بقول جميل:

سبيحان مرفضا من الماء صاديا = إذا ما نسيم من نداها عراهما

إذا ما الصبا حارتهما سرباتها = وداني دنوا وارجحنت رحاهما

وقال آخرون: بل يستقيم أن يقال:"الرياح"لريح واحدة من الرياح الأربع ونكباواتها، إذا كان يهب منها شيء بعد شيء، فإن كل جزء منها يسمى ريحا، وهذه المتابعة تستنزل الغيث، واحتجوا بأنها إحدى الأوراح بقول أبي ذؤيب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت