الصفحة 6 من 9

مرته النعامي ولم يعترف = خلاف النعامى من الشأم ريحا

وقال آخر يمدح رجلا:

فتى خلقت أخلاقه مطمئنة = لها نفحات ريحهن جنوب

يريد أن الغيث إنما تأتي به الجنوب، واحتجوا في تسمية كل جزء من الريح ريحا بقول العرب: بعير ذو عثانين، جعلوا كل خصلة عثنونا،

ويقولون: شابت مفارقة، يجعلون كل جزء من رأسه مفرقا. قال جرير:

قال العواذل ما لجهلك بعد ما = شاب المفارق واكتسبن قتيرا

ولم يروا أن الاجتياح كان قط إلا بريح واحدة، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور ) ).

ومما جاء متفق اللفظ مختلف المعنى: {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} ومثله: {هذا يوم لا ينطقون} الآية. ثم قال: {وقفوهم إنهم مسئولون} فليس هذا ناقضا للخبر الأول، تعالى الله عن ذلك. وكان مجاز قوله: {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} أي لا يسأل عن ذنبه ليعلم ذلك من قبله، والدليل عليه قوله: {يعرف المجرمون بسيماهم} وقوله: {وقفوهم إنهم مسئولون} يقول: موبخون، كما يقول المعاقب للمعاقب: ألست الفاعل كذا؟ أتذكر يوم كذا ما فعلت كذا؟ ليس ليعلم ذلك من قبله، ولكن لتوبيخه بما فعل.

وقد يقال لغير صاحب الذنب احتجاجا على الذنب وتوبيخا له: أما قال لك هذا ذنب؟ أما تعرف من هذا مثل ما أعرف؟ أأنت قلت لهذا ما ذكره عنك؟ على علم السائل أنه لم يقل، كقوله تعالى: {أأنت قلت للناس} الآية ليوبخ بذلك من حكاه عنه، فمجاز يقع من هذا تقريرا لا استفهاما في مدح أو ذم مجاز قال جرير:

ألستم خير من ركب المطايا = وأندى العالمين بطون راح

وكقول كثير:

أليس أبي بالنضر أم ليس والدي = لكل نجيب من قضاعة أزهر

وقال الله تعالى: {أليس الله بكاف عبده} و {أليس في جهنم مثوى للكافرين} وقوله: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله} إلى قوله: {قل كل من عند الله} . أي: يأتي هذا إذا شاء، وهذا إذا شاء، ثم قال: {وما أصابك من حسنة فمن الله} تفضلا {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} ، أي مجازاة بما فعلت، كقوله: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} ولو كان من الطاعة والمعصية لكان حق الكلام: ما أصبت من حسنة وما أصبت من سيئة.

ومن هذا قوله: {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين} الآية وقال: {إنا أرسلنا نوحا إلى قومه} وقال: {ثم أرسلنا رسلنا تترى} وقال: {وسلام على المرسلين} ، فليس لقائل أن يقول - من أهل القبلة - إن الشياطين دخلوا في هذا الإرسال. ولا أن قوله: {إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين} كقوله: {إنا أرسلنا نوحا} ولكن مجاز قوله: {إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين} ، أي خلينا بينهم وبينهم، كقول القائل: أرسلت حمارك على زرعي، أي لم تحبسه، فسمى التخلية بالإرسال، كقوله:

فأرسلها العراك ولم يذدها = ولم يشفق على نغص الدخال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت