وكل شيء جاء في القرآن: {وما يدريك} فغير مشروح خبره. فمن ذلك: {وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا} و {ما يدريك لعله يزكى} . وأما قوله: {وما تدري نفس} . فليس من هذا، لأن (ما) ههنا نافية، و (ما) قبله كان استفهاما.
[المختصر في القرآن]
وفي القرآن مختصرات، فإن مجاز كلام العرب يحذف كثيرا من الكلام إذا كان فيما يبقى دليل على ما يلقى فمن ذلك: {واسأل القرية ... والعير} لما كانت القرية والعير لا يسألان، ولا يجيبان علم أن المطلوب غيرهما. ولا يجوز على هذا: جاء زيد، وأنت تريد: غلام زيد، لأن المجيء يكون له، ولا دليل في مثل هذا على المحذوف.
ومثل الأول قوله: {ولكن البر من آمن بالله} . أي ولكن البر بر من آمن بالله، لأن البر لا يكون البار. نظيره للنابغة:
وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي = على وعل في ذي الفقارة عاقل
أي على مخافة وعل. ومثل قول النابغة الجعدي:
وكيف تواصل من أصبحت = خلالته كأبي مرحب
وقال آخر:
كأن عذيرهم بجنوب سلى = نعام قاق في بلد قفار
أي عذير نعام (كان المبرد ينشد سلى وسلي بالفتح والكسر، وهو موضع) .
ومن المختصر في القرآن قوله تعالى: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع} .
معناه: أن الذين كفروا يتشبهون بالمنعوق به، وهي الشاء، وأنتم كمن ينعق بها، فتأويل الكلام: مثل الذين كفروا ومثلكم، أو: مثلكم ومثل الذين كفروا، كمثل الناعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، فاختصر وحذف، كقول النابغة الذبياني:
كأنك من جمال بني أقيش = يقعقع خلف رجليه بشن
فقال: خلف رجليه، ولم يذكر أولا ما ترجع الهاء إليه، ولكنه دل عليه بقوله: (من جمال بني أقيش) فكأنه قال: كأنك جمل.
ومثله في الحذف والاختصار: (( ما من أيام أحب إلى الله تعالى فيها الصوم من عشر ذي الحجة ) )، وما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه (في عين زيد) وما رأيت رجلا أحب إليه الشر منه إلى زيد. وقال الشاعر:
مررت على وادي السباع ولا أرى = كوادي السباع حين يظلم واديا
أقل به ركب أتوه تئية = وأخوف إلا ما وقي الله ساريا
يريد: أقل ركب أتوه تئية منهم به، ولكن اختصر وحذف.
ومما جاء في القرآن من المختصرات قوله تعالى: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به} أي"أحد"وكذلك: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن} والمعنى: أزواجهم يتربصن بأنفسهن، فهذا كثير، منه قول الشاعر:
وما الدهر إلا تارتان فمنهما = أموت وأخرى ابتغي العيش أكدح
ومن كلامهم: ما منهما مات حتى رأيته.