ب - مدافعة العباس عن أبي ذر حين أسلم بمكة .
أخرج البخاري في صحيحه ، في باب إسلام أبي ذر الغفاري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حديثا طويلا - في قصة إسلامه - وفي آخره أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له:"ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي ، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، ثُمَّ قَامَ الْقَوْمُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَوْجَعُوهُ ، وَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ ، قَالَ: وَيْلَكُمْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ وَإِنَّ طَرِيقَ تِجَارَتِكُمْ إِلَى الشَّامِ ؟ فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ ، ثُمَّ عَادَ مِنْ الْغَدِ لِمِثْلِهَا فَضَرَبُوهُ وَثَارُوا إِلَيْهِ فَأَكَبَّ الْعَبَّاسُ عَلَيْهِ" (1)
(انظر الصحيح مع الفتح 7 173ح 3861 . )
ولئن كان موقف العباس هذا مع أبي ذر - كغيره من المواقف - يحتمل المدافعة وهو مشرك ، للغرض الذي أشار له ، ويحتمل المدافعة بدافع الإسلام ورابطة الإيمان فمما يلفت النظر تكرار مدافعة العباس عن أبي ذر ، ومهما قيل من حسن تأتي العباس وجودة فطنته حيث توصل إلى تخليص أبي ذر من المشركين بتخويفهم من قومه بأن يقطعوا طرق متجرهم (2)
(ابن حجر: الفتح 7/ 176 . )
فإن الاحتمالات واردة.
فيظل السؤال واردا: لماذا انفرد العباس بهذه المدافعة ، وتكرارها؟ أوَليس المشركون يعلمون - كما يعلم العباس - حساسية موقع قوم أبي ذر ، وتهمهم التجارة كالعباس ، فلماذا انفرد العباس وحده بهذا الموقف؟ تلك تساؤلات لا ترقى إلى القطع بشيء ، لكنها واحدة من تلك المؤشرات في حياة العباس ووقت إسلامه.
(1) انظر الصحيح مع الفتح 7 173ح 3861 .
(2) ابن حجر: الفتح 7/176 .