الصفحة 78 من 81

ذلك يشعرنا بأن تدليسه ليس من النوع الذي لابد لتلافيه من التصريح بالتحديث , بل تدليسه يعرف بالنظر إلى صورة روايته , فإذا قال (بلغني عن فلان) أو (حدث فلان) فهذا دليل على الانقطاع وإنه لم يسمعه من فلان , وأما إذا قال: (( عن فلان ) )فهو محمول على السماع بخلاف المعهود عن المدلسين الذين لا يُقبل حديثهم إلا إذا صرحوا بالسماع , والدليل على ذلك قول - الإمام أحمد - ورواية حسين - المعلم - المشار إليهما , ولعل هذا السر في إكثار الصحيحين من الرواية عن يحيى بن أبي كثير عن شيوخه بصيغة (عن) . وهذه فائدة هامة ما رأيت من سبقني إلى توضيحها والتنبيه عليها فإن أصبت من الله , وإن أخطأت فمن نفسي )) ، وهذا مِنْ الإمام الألباني نظرةُ مُحققٍ جهبذٍ لهُ باعٌ طويلٌ في العلمِ فجزاهُ الله تعالى كُل خيرٍ لما قدم ورحمه رحمة واسعةً وأسكنه فسيح جناته.

ثُم اعلم - سددك الله - أن كثيرًا مِنْ الأغلاط التي وقعت في حديث يحيى بن أبي كثير مِنْ الذين حدثوا عَنْهُ وذكرتُ مثالًا فيما مضى لعكرمة بن عمار، وعلي بن المبارك.

وكان رحمه الله تعالى كثير الإرسال وهذا لا يستدل بهِ للكلام فيهِ وإنما هو واقعٌ في عهد التابعين كما سيأتي مرسلات يحيى بن أبي كثير - رحمه الله - والكلام عليها، ولا يراد أبدًا بالحديث المرسل الإيهام والتعمية فلا يوصف بهِ الإمام يحيى بن أبي كثير فيعتبر جرحًا، خصوصًا وقد بين الأئمة حكم مرسلات يحيى بن أبي كثير - رحمه الله -.

فكان - رحمه الله - بريئًا مِنْ وصمة التدليس التي توجب أن يصرح بالسماع في الأخبار التي حدث بها عمَّنْ حدثَّ عَنْهُمْ ومما سبق يتضح لك ما وقع فيه الإمام بن أبي كثير مِنْ التدليس وهو الإرسال الخفي، فالصحيح الراجح كما مضى أن التدليس الذي وقع فيه الإمام - رحمه الله - هو ما يعرف عند المُتأخرين كالحافظ ابن حجر بالإرسال الخفي، ونحن لا ننفي كونه في المرتبة الثانية وهذا ليس بقادحٍ كون احتمال تدليسه نادرٌ جدًا واحتمال روايته مِنْ قبل الأئمةِ في الصحيح فانتفى عَنْهُ ما كان يعرف بهِ - رحمه الله - بل كان ما يحدث بهِ هُو مِنْ قبيل الإرسال الخفي لا التدليس الذي يوجب التصريح، فرحمه الله تعالى رحمةً واسعةً وألحقنا ركبهُ وركب مَنْ سبقهُ ومَنْ اتى بعده وجعلنا مِنْ المخلصين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت