فهرس الكتاب
قلت: والعجب من تعجبه فإن الحروف جاءت لمعان في غيرها لا في نفسها ولكل شيء منها معان مخصوصة موضوعة لها، ولا شك أن معاني الحروف والأفعال تستفاد من مقاصد الكلام، وموارد الخطاب، وتركيب الألفاظ فإذا رأينا العرب قد استعملوا ذلك في معنى لم توضع له في بعض التراكيب، علمنا أن اللغة قد وردت باستعمال ذلك وأنه جائز في لسان العرب، وأنهم قد تجوزوا به عن موضوعه.
والدليل على ما قلته صنيعهم الذي تعجب منه، فتارة جعلوا معنى التخيير والإباحة في صيغة الفعل لأجل أو، وتارة جعلوا أو بمعنى التخيير والإباحة لأجل موارد الخطاب ومقاصد الكلام.
[مصابيح المغاني: 157]
وكذلك فعلوا في الهمزة فقالوا: تأتي للاستفهام وللتسوية، ولما تكلموا على أم المعادلة نسبوا تلك الإفادة إليها وغير ذلك من تركيبات اللغة. ونكتة الأمر أن هذه الحروف منها ما هو مختص بمعنى واحد وضع له، ومنها ما هو مشترك بين معنيين وثلاثة وأكثر، فتستعمل في ذلك على سبيل الحقيقة وقد تستعمل في غير المعنى الموضوع له تجوزًا، كما استعملوا ثم موضع الواو وبالعكس، لكن لا يجوز أن تستعمل في ذلك المجاز إلا بدليل من اللسان أن العرب قد استعملوه في ذلك المجاز، ولا يجوز أن تستعمل فيه إذا لم تستعمله العرب لأن العاني غير متناهية.
ثم تُعرف الحقيقة في ذلك من المجاز بكثرة الاستعمال، وقد استقرأ الأئمة المتقدمون رضي الله تعالى عنهم ذلك من استعمال العرب، فوجدوهم وضعوا لبعض الحروف معنى أو معاني واستعملوا لسانهم في ذلك كثيرًا وقد يجدون استعمالًا كثيرًا فينتهض عند بعضهم أن يكون وضعًا حقيقيًا ولا ينتهض عند بعضهم إلى رتبة الحقيقة وإنما يكون مجازًا كما قالوا في الواو: هل تقتضي الترتيب أو لا؟