وأما الحنفية فقد استدلوابما يلي:
1 -كتب أبو موسى الاشعري إلى عمر بن الخطاب: أن تجارا من قبلنا من المسلمين يأتون أرض الحرب فيأخذون منهم العشر قال: فكتب إليه عمر، خذ منهم كما يأخذون من تجار المسلمين (3) [شرح السير الكبير 4/ 284] .
2 -عن أبي مجلز قال: قالوا لعمر كيف نأخذ من أهل الحرب إذا قدموا علينا؟ قال كيف يأخذون منكم إذا دخلتم اليهم؟ قالوا العشر. قال فكذلك خذوا منهم. فهذا هو ضابط المعاملة بالمثل (4) [أثار الحرب 529 نقلا عن أحكام أهل الذمة لابن القيم ص169] .
الرأي الراجح عندنا:
نحن نرى أن هذا الامر من السياسة الشرعية التي يرجع تقريرها إلى اولي الامر - أمير المؤمنين، وهو يقدر المصلحة الراجحة، ويعمل بها فيما يعود بالنفع للاسلام والمسلمين. ولذا فإننا نرى أن مذهب الحنفية يعطي للأمر مرونة ويجعل ولي الأمر في سعة أن يتخذ القرار المناسب للمسلمين. ولا يجعله مقيدا بالعشر فا لبلاد قد تحتاج إلى المواد الغدائية أو المعادن أو المصنوعات، فيكون لولي الأمر الحرية في إعفاء تجارة الحربيين من الضرائب والعشور. وهذا الرأي كذلك ذهب إليه الحنبلية والمالكية الذين يرون بوجوب أخذ العشر، فقد اضطروا أحيانا أن يفتوا بمخالفة أخذ العشربالنقصان أو الزيادة أو الإعفاء كليا إذا كانت بلاد المسلمين بحاجة إلى التجارة.
فقد روى ابن عمر قال (كان عمر يأخذ من النبط من الزيت والحنطة نصف العشر لكي يكثر الحمل إلى المدينة ويأخذ من القطنية العشر) (1) [آثار الحرب 533 نقلا عن نيل الأوطار 8/ 63 الأموال 533 والنبط: النصارى، والقطنية: الحبوب والثياب] .
قال بن قدامة في المغني 8/ 225 (وهذا الأثر يدل على أنه يخفف عنه إذا رأى المصلحة فيه وله الترك أيضا إذا رأى المصلحة) .
وقال العدوي من المالكية (لا يؤخذ على حمل الطعام إلى الحرمين وما والاهما اكثر من نصف العشر وذلك للإغراء بتكثير حمله إلى هذه البقاع مع شدة حاجة أهلها) (2) [انظر المغني لابن قدامة 8/ 522] .
وقال الماوردي من الشافعية (3) [الشرح الصغير 1/ 417] . (إذا رأى الإمام أن يسقط عن أهل الحرب تعشير أموالهم بحادث اقتضاه نظرا لجدب أوقحط أو لخوف من قوة تجددت لهم جاز إسقاطه عنهم) .
نصاب التجارة التي يؤخذ منها العشور:
اختلف الفقهاء في المقدار الذي يؤخذ عليه العشور (الضرائب) أله نصاب لا يؤخذ من المقدار الذي يقل عنه - كالزكاة- أم يؤخذ من قليلها وكثيرها؟
1 -مذهب الشافعية والمالكية إلى انه: لا نصاب للتجارة التي يؤخذ عليها العشور.
2 -ومذهب الحنفية والحنبلية: إلى انه لها نصاب.
فقال الحنفية: نصابها نصاب الزكاة (20 دينارا ذهبا أو مائتا درهم من الفضة) .
وقال الحنبلية: نصابها نصف نصاب الزكاة.
وأرجح الأقوال قول الحنابلة، لأنهم اعتمدوا على نص منقول عن عمر، فقد استدل الحنابلة في تحديد النصاب بمائة درهم بما فسر به عمر بن عبد العزيز قول عمر بن الخطاب في كتابه إلى زريق بن حيان: (من مر بك من أهل الذمة فخذ مما