الصفحة 21 من 76

إذا عرفت ذلك، فقولنا: (ومن ثم قال مالك إلى آخره) ، واضح البناء، والمعنى: أنه من هناك، وهو أن الثابت النسبة فقط، قال مالك وبعض أصحابنا: إذا شهد شاهدان بأن فلان ابن فلان وكَّل فلانًا كانت شهادة بالتوكيل، ولا يستفاد منها أنهما شهدا بالبنوة، فليس له لو نوزع في محاكمة أخرى في البنوة، أن يقول: هذان شهدا لي بالبنوة، لقولهما في شهادة التوكيل: إني فلان ابن فلان.

والمذهب الصحيح عند علمائنا: أنه شهادة بالوكالة أصلًا، وهذا واضح لأنه مورد الكلام ومقصده، وبالنسب ضمنًا، وهذا قد يستشكل على هذا الأصل، ولا إشكال فيه، لأنا لما صدقنا الشاهدين كان قولهما متضمنًا لذلك، وهذه المسألة مسطورة في الإشراف لأبي سعد الهروي، وفي (الحاوي) للماوردي في باب التحفظ في الشهادة والعلم بها، فإن قلت: أيحكم القاضي بما شهدا به ضمنًا؟ قلت: لا، بل لا بدَّ من إيراد لفظ الشهادة على مقصود بالأصالة، وقعت الدعوى به.

تعريف الصحابي:

وأما تعريفنا الصحابي: فقولنا: (من اجتمع مؤمنًا بمحمد صلى الله عليه وسلم وإن لم يرو، ولم يطل) .

فشرحه: أن (من) موصولة، والمعنى الذي اجتمع، والاجتماع معروف لغة وعرفًا، وهو: المجالسة، أو المماشاة، وهو جنس، (ومؤمنًا) حال من (من) وهو فصل خرج المجتمع حال كفره، و (بمحمد صلى الله عليه وسلم) : فصل ثان، يخرج المجتمع بغيره).

وإنما غيرنا لفظ (رأى) الواقع في مختصر ابن الحاجب وغيره؛ لأنك إن نصبت النبي صلى الله عليه وسلم في قولك: (من رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الأظهر لم يطرد، لورود ابن أم مكتوم، وأُبي، وغيرهما، من عميان الصحابة، فإنهم لم يروه، ولم ينعكس لأن من رآه في النوم فقد رآه حقًّا وليس بصحابي.

وإن رفعت لزم أن يكون من وقع بصر محمد صلى الله عليه وسلم عليه صحابيًّا، وإن لم يقع بصره هو على محمد صلى الله عليه وسلم، ولا نعلم أحدًا قال بذلك. ولو قيل به لزم أن يكون كل من عاصره بهذه المثابة، لأنه كشف له ليلة الإسراء وغيرها عنهم أجمعين، ورآهم كلهم، بل نقول: يلزم أن يكون كل أمته أصحابه، لأنه رأى الكل، أراه الله تعالى إياهم، وأيضًا فالخصوصية إنما هي لوقوع بصرنا على تلك الطلعة البهية، التي ينطبع منها في القلب نور يشرق به، فلذا عدلنا إلى لفظ الاجتماع، وزدنا لفظ الإيمان، وقد ذكره الشيخ أبو عمر بن الصلاح، من المحدثين، والآمدي من الأصوليون، ولا بد منه، فإن من اجتمع كافرًا به صلى الله عليه وسلم لا تثبت له صحبة، قاله البخاري في صحيحه، حيث قال: (من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه) وحكاه القاضي عياض وغيره عن أحمد بن حنبل.

وأما اشتراط أحد الأمرين: من الغزو، أو مدة سنة، فهو قول سعيد بن المسيب رحمه الله، حكاه ابن الصلاح وغيره، وهو ضعيف، يلزم منه إخراج جرير بن عبد الله، ووائل بن حجر، ومعاوية بن الحكم السلمي وغيرهم ممن وفد على النبي صلى الله عليه وسلم عام تسع وبعده، فأسلم وأقام عنده أيامًا ثم رجع إلى قومه، وروى عنه أحاديث، ولا نعرف خلافًا بين الناس في عدهم من الصحابة.

إذا عرفت ما عرَّفنا به الصحابي، فإنا منبهوك هنا على مهمات:

أحدها: أنك قد تقول: المفهوم من الاجتماع المجالسة أو المماشاة ولو شيئًا يسيرًا. وهذا يلزم عليه خروج من لم يجالس ولم يماش، بل رأى على بعد مع كونه صحابيًّا.

فنقول: الرائي على بعد، إن لم يكتف له بهذا القدر في ثبوت الصحبة؛ كان لفظ الاجتماع على ما يزعمون أصح، وإن اكتفى به (وهو ظاهر إطلاقهم لفظ الرؤية) فإنا ندعي أنه مجتمع به، فإن الاجتماع يحصل إما بالمجالسة وإن لم يكن معها رؤية، وإما بالرؤية وإن لم يكن معها مجالسة، هذا الذي يظهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت