الصفحة 22 من 76

فنحن دائرون بين منع كون الرائي عن بعد صحابيًّا، ودعوى كونه مجتمعًا. ثم نحن لا نضمن سلامة (جمع الجوامع) عن كل اعتراض، بل كل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلاَّ صاحب القبر صلى الله عليه وسلم.

فإن صح لغة أو عرفًا أو شرعًا ما يظهر لنا من صدق الاجتماع على كل من هذين، أو أن الرائي من بعد غير صحابي لم يصح الاعتراض، وإلاَّ فالاعتراض صحيح، ولكن يسهل أمره أنه لم يثبت لنا أن أحدًا اتفقت له الرؤية على بعد دون الاجتماع أو سماع الكلام حتى نبحث عنه.

والثاني: أن من اجتمع كافرًا به صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم ولم يره بعد الإسلام، ولكن روى شيئًا سمعه منه في حال كفره أو لم يرو، هل يكون صحابيًّا فظاهر كلام الإمام أحمد بن حنبل والبخاري وغيرهما أنه لا يكون صحابيًّا، ولذلك لم يذكر أحد عبد الله بن صياد في الصحابة رضي الله عنهم، وقد كلمه النبي صلى الله عليه وسلم ووقف معه في قصته المشهورة، مع كونه أسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وحج، فلم يعتدوا له بذلك اللقاء والكلام في حال الكفر.

والثالث: من اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل المبعث، وحادثه ثم أسلم بعد المبعث، ولم يلق النبي صلى الله عليه وسلم، فهل يكتفي بذلك اللقاء الأول مع إسلامه في زمنه؟ وهذا بخلاف من لم يسلم إلاَّ بعد وفاته، ففيه نظر واحتمال. وقد روى أبو داود في السنن عن عبد الله بن شقيق عن أبيه عبد الله بن أبي الحمساء قال: (بايعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، وبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه، ونسيت ثم ذكرت بعد ثلاث، فجئت فإذا هو في مكانه، فقال يا فتى لقد شققت علي، أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك) .

فهذه القصة كانت قبل النبوة، ولم يكن ابن أبي الحمساء أسلم إذ ذاك قطعًا، ولكنه أسلم بعد ذلك، ولم يثبت لنا أنه صحبه بعد الإسلام، فلو فرض أنه لم يلقه بعد الإسلام جاء فيه هذا النظر والاحتمال، فهو دون ابن صياد من جهة أن مجالسته إياه قبل المبعث، وفوقه من جهة أنه أسلم في حياته.

والرابع: من اجتمع به بعد المبعث وأسلم قبل وفاته صلى الله عليه وسلم، وهذا أيضًا فيه نظر واحتمال، وهو أولى بالصحبة من القسمين السابقين.

الردة هل تحبط العمل في الحال أو بشرط الموافاة:

والخامس: من صحبه ثم ارتد بعد وفاته، ثم عاد إلى الإسلام هل تحبط ردته الصحبة؟ فيه نظر، والأظهر عندي على أصول أصحابنا عدم الإحباط، وعلى أصول الحنفية الإحباط، وذلك لأنهم يجعلون هذا إسلامًا جديدًا، يجب فيه استئناف الحج، ولا يعتدون بما سبق.

وأما علماؤنا فإن الحبوط عندهم مشروط بالوفاة على الردة.

وأصل هذا مسألة الشقاوة والسعادة الآتية، ويؤيد أصحابنا أن المحدثين لم يختلفوا في عد الأشعث بن قيس من الصحابة، وجعل أحاديثه مسندات وكان ممن ارتد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رجع بين يدي أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وزوّجه أخته.

والسادس: من كان مسلمًا في حياته صلى الله عليه وسلم، ولم يره قبل موته، ولكن رآه بعد الموت قبل الدفن، هل يكون صحابيًّا؟ أما من يثبت الصحبة لمن أسلم في حياته صلى الله عليه وسلم وإن لم يره، وهو قول ابن عبد البر فلا ريب عنده في أن هذا صحابي، ونحن إنما نتكلم على المذهب المختار، وهو اشتراط أحد الأمرين، من الرؤية أو المجالسة الذي يعبر عنه بالاجتماع، والأظهر عندنا أن هذا غير صحابي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت