الصفحة 23 من 76

فإن قلت ومن الذي اتفق له ذلك حتى تبحثوا عنه؟ قلت: أبو ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي الشاعر، وقصته مشهورة: فإنه أخبر بمرض النبي صلى الله عليه وسلم فسافر نحوه، فقبض صلى الله عليه وسلم قبل وصوله المدينة بيسير، وحضر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ورآه مسجى، وشهد دفنه، ولم يثبت عندي أنه لما رآه مسجى كشف له عن وجهه الكريم، فإن لم يكشف له عن وجهه، فلا ريب في انتفاء الصحبة على مساق المذهب المختار.

لفظ الصحابي يشمل الذكور والإناث:

وأما قولكم: هل يشمل الذكور والإناث؟ فالجواب نعم، وكأنكم تصورتم أن لفظ الصحابي لا يصلح إلاَّ للمذكر، لأنك تقول صحابي وصحابية للمذكر والمؤنث، ونحن نقول إنما يقال ذلك إذا قصد بالصحابي واحد بخصوصه.

أما إذا قصدت الحقيقة من حيث هي فلا نقول صحابية أصلًا، فافهم ذلك، واستعمله في الأسماء المشتقة كلها فهو دقيق، وله تحقيق يطول ذكره.

وقد ظفرت له بدليل من الكتاب العزيز وهو قوله تعالى: {أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى} ، فلو كان قوله: (عاملًا) يختص بالذكر، لقيل: أو عاملة.

فإذن لفظ الصحابي يطلق ويراد به مقابل المرأة، وليس المراد، ويطلق ويراد به الجنس وهو المقصود. ونظير ذلك قول النحاة في (لا) إنها إذا قصد بها خلوص العموم ونفي الجنس تنصيصًا عملت عمل إن، وسميت البترية، فتقول: (لا رجل) بمعنى نفي هذه الحقيقة، ولذلك لا تقول: (بل رجلان) ، لأنه يناقض قولك: (لا رجل) ، الذي هو بمعنى لا رجولية. وإن لم يقصد خلوص العموم احتملت نفي العموم، ونفي الوحدة، وعملت عمل ليس، وتعين الرفع، وجاز قولك بل رجلان، على إرادة لا رجل، مقيد بقيد الوحدة.

وأما قولنا: (بخلاف التابعي مع الصحابي) فإشارة إلى أنه لا يكتفي في كون المرء تابعيًّا بمجرد اجتماعه بالصحابي، كما يكتفي في الصحابي، والفارق أن طلعة المصطفى صلى الله عليه وسلم ينطبع مع رؤيتها أو مجالستها نور لا يتهيأ لأحد من خلق الله مثله، فالمرجع في تفسير التابعي إلى العرف.

القياس:

وأما قولكم: في (حمل معلوم) هل المراد القطعي؟ فقد قال الإمام في (المحصول) : (أما المعلوم فليس نعني به مطلق تعلق العلم فقط، بل ومتعلق الاعتقاد والظن) وأنا أقول لا حاجة إلى هذا، فإن المراد بالمعلوم هنا تلك الصورة المشعور بها، فالعلم هنا المراد به الشعور لا المصطلح، ويوضح ذلك أنهم إنما ذكروه عدولًا عن لفظ الشيء، ليتناول الموجود والمعدوم، فقصدوا بذكره التعميم لا التخصيص.

مسالك العلَّة:

وأما قولنا في مسالك العلة: (والظاهر كاللام ظاهرة فمقدرة، نحو أن كان كذا،(فالباء في كلام الشارع، فالراوي الفقيه، فغيره، ومنه: إن، وإذ) ، وما مضى في الحروف، انتهى. فشيء لا تجده في غير هذا الكتاب.

وتقريره: أن ما يدل على العلية ظاهرًا له مراتب: أعلاها اللام لوضوحها فيه وهي مرتبتات= أعلاهما اللام، الظاهر، نحو فعلت كذا لكذا، ومنه: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ، وتتلوها المقدرة، ولا ريب في أن المقدرة دون الملفوظة)، نحو: أن كان كذا، ومنه: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} ، فإنه مفعول من أجله، قدره البصريون: كراهة أن تقولوا، والكوفيون: لئلا تقولوا، أو لأجل أن لا تقولوا، وفي حديث الزبير: (أن كان ابن عمتك) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت