فهرس الكتاب
والمرتبة الثانية: الباء، والثالثة الفاء، إذ الباء أوضح في السببية من الفاء، لكثرة استعمالها فيها، وقولنا: (في كلام الشارع) ، هذا إشارة إلى أن هذه الألفاظ كما اختلفت مراتبها في أنفسها، كذلك اختلفت بحسب وقوعها في كلام القائلين، فهي في كلام الشارع أقوى منها في كلام الراوي، وفي كلام الراوي الفقيه، أقوى منها في كلام غير الفقيه، مع صحة الاحتجاج بها في الكل، خلافًا لمن توهم أنه لا يحتج بها إلاَّ في كلام الراوي الفقيه، وهذا بحث توهمه بعض المتأخرين وليس قولًا، فلذلك لم نحكه.
وزعم الآمدي أن الوارد في كلام الله تعالى أقوى من الوارد في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، والحق، وإياه ذكر الشيخ صفي الدين الهندي، مساواتهما لعدم احتمال تطرق الخطأ فيهما، فلذلك عبرنا بالشارع ليشمل الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
حقيقة التعارض بين الأدلة منتفية:
وأما عدولنا عن لفظ الظن، إلى لفظ التوهم في التعادل، فلأن الظن ما يكون الطرف فيه راجحًا، ولا ريب في أنه لا يترجح التعارض في حديثين، لأنا على قطع بأنه لم يقع منه صلى الله عليه وسلم حديثان متعارضان معاذ الله، قال إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة: (لا أعرف أنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديثان بإسنادين صحيحين متضادان، فمن كان عنده فليأتِ به حتى أولف بينهما) . انتهى. يعني: فمن كان عنده ما حسب فيه التعارض فليأتِ به حتى أبين خطأه في حسبانه، وإلاَّ فكيف يؤلف بين متعارضين حقيقة؟
إذا عرفت ذلك، فالمجتهد إذا اشتبه عنده أمر حديثين فهو يحسبهما متعارضين، ويعلم أنه لا تعارض في نفس الأمر، وأن حسبانه ناشئ إما عن اختلال فهمه، أو اختلال السند، أو غير ذلك، ولا يهتدي إلى تعين تلك الجهة التي أوتي منها، ولو اهتدى إليها لم يتوهم التعارض.
وإذا وضح لك هذا، لاح أن استعمال لفظ التوهم، وهو ما يكون الجانب المتوهم فيه مرجوحًا خير من لفظ الظن.
العدالة ليست ركنًا في الاجتهاد:
وأما طلب الجمع بين عدم اشتراط العدالة في الاجتهاد، واشتراطها فيمن يستفتى يستحق جوابًا، فإن الفاسق لا يقبل خبره، فكيف يستفتى؟ وإن كان في نفسه مجتهدًا. وإنما فائدة الخلاف، في أن العدالة هل هي ركن في الاجتهاد؟ وأنه في نفسه هل يحرم عليه التقليد لأنه مجتهد؟ فإن فقدان العدالة لا يمنعه هذه الرتبة، أو لا؟ لأنه غير مجتهد، بناءً على أن فقدانها مانع.
القرآن كلام الله على الحقيقة:
وأما الجار، والمجرور، من قولنا (على الحقيقة لا المجاز) من قولنا: (القرآن كلامه على الحقيقة لا المجاز، مكتوب في مصاحفنا، محفوظ في صدورنا، مقروء بألسنتنا. انتهى) ، فيتعلق باسم المفعول في مكتوب، ومحفوظ، ومقروء. وتقديره: أنا نعتقد أن القرآن يطلق على المعنى القائم بالنفس، وهذا كلام الله حقيقة لغوية وعقلية، وعلى المكتوب في المصحف، والمحفوظ والمقروء؛ فإن لكل شيء وجودات أربعًا: وجود في الأعيان: وإن شئت قل في نفس الأمر، أو في الخارج: وهو فيما نحن بصدده المعنى القائم بالنفس، ووجود في الكتاب: وهو الخط، وإليه الإشارة بقولنا: (مكتوب في مصاحفنا) ، وفي الأذهان: وإليه الإشارة بقولنا: (محفوظ في صدورنا) ، وفي اللسان: وإليه الإشارة بقولنا مقروء بألسنتنا. فإذا قلت: (الله) فقد نطقت بالله حقيقة، وإذا كتبت ذلك فقد كتبته حقيقة، وإذا تصورته بذهنك فقد تصورته حقيقة وهو في نفس الأمر تلك الذات المقدسة، وإذا قلت الله معبود في محاريبنا، مذكور بألسنتنا، منزه بقلوبنا، فكل ذلك حقيقة ولا يلزم منه حلول الباري سبحانه في المحاريب والألسنة والقلوب، جل جلاله سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا.