فهرس الكتاب
واعلم أن هذه العبارة وهي قولنا: (القرآن كلامه ... إلى آخره) هي نفس عبارة أستاذ الطائفة أبي القاسم القشيري في عقيدته، التي أخرجها بمدينة نيسابور، في الواقعة المشهورة، واعتمدها محققو الأشاعرة، سلطان الكلام، وغضنفر الأعلام، إمام الحرمين، أبو المعالي الجويني، وغيره من مشايخ الشافعية كوالده أبي محمد الجويني والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، والحافظ أبي بكر البيهقي، وهؤلاء أئمة ذلك العصر الذين لم يأت بعدهم لهم نظير، وإن كانت الأشاعرة حيث يزدحم الجم الغفير، ولا ينبغي أن يفهم من قولنا: (مكتوب في مصاحفنا) إلى آخره، أن عين القرآن موجودة في الورق، فإن كلامه تعالى قديم أزلي، (ليس بحرف ولا صوت) ولا يتصور أن ينقلب مدادًا في الألواح، والأوراق، وشكلًا تنظره الأحداق، بل الكتابة من فعلنا، والمكتوب كلامه تعالى، والذي قلناه: إنه مكتوب في المصحف، ولم نقل موجود، فإنك تكتب لفظة زيد على الكاغد، ولا يكون زيد حالًا في الكاغد، وإنما يكون مكتوبًا في الكاغد فافهم ذلك، وهذه مسألة عظيمة الخطب طويلة الذيل.
وما ذكرناه هو حاصل مذهب أهل السنة: ووراءه مذهبان، مُذْهِبان للصدق، ضالاّن عن منهج الحق: مذهب الاعتزال، وهو مهجور مقلول، ومذهب الحشو، وهو مقهور مرذول.
إذا عرفت هذا فليقع البحث بعده، في قولنا (لا المجاز) من قولنا (القرآن كلامه على الحقيقة لا المجاز) ، فإنك قد تقول: ما فائدته، مع أن في قولك (على الحقيقة) ما يغني عنه؟ فنقول: الحقيقة تطلق تارة ويراد بها كنه الشيء، كما تقول حقيقة الجوهر المتحيز، وهذا هو محل نظر المتكلمين، فإذا قالوا: (حقيقة كذا) ، أرادوا كنهه، وأخرى ويراد بها مقابل المجاز كما تقول: (حقيقة الأسد الحيوان المفترس) ، وهذا محل نظر الأصوليين.
فإذا فهمت هذا نقلناك إلى المقصود، وقلنا لك: (القرآن بالحقيقة العقلية هو الكلام النفسي) ، وهذه الحقيقة لا يقال لمقابلها مجاز، بل قد يكون حقيقة أيضًا، ولكن باعتبار آخر وهو اعتبار اللغة، أو الشرع، أو العرف، لأن الحقائق عند الأصوليين ثلاث، وهو بالحقيقة اللغوية يقال على النفس أيضًا، وعلى الألفاظ الدالة، بل الألفاظ أمسّ به، لأن النفس ليس بلفظ، والحقيقة اللغوية لفظ، فلو قلنا على الحقيقة وسكتنا لأوهم أن المراد الحقيقة العقلية التي يعنيها المتكلمون وليس كذلك: لأن تلك هي الكلام النفسي، فلما قلنا (لا المجاز) ، تبين أن المراد إنما هو الحقيقة اللغوية. فافهم ذلك، فهو من أسرار هذا الكتاب.
السعادة والشقاوة لا يتبدَّلان:
وأما قولنا: (ثم لا يتبدلان) في السعادة والشقاوة، فهذه من أمهات مسائل الكلام، وعظائم قواعد المفسرين، ولا تسع هذه الأوراق تقريرها، ولكنا نختصر القول ونأتي بما فيه مَقْنَع وبلاغ.
فنقول: اختلف الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم في أن السعادة والشقاوة هل يتبدلان، فيمكن أن يكون شخص سعيدًا ثم يشقى، فينقلب والعياذ بالله شقيًّا، وبالعكس، فذهب قوم إلى أنهما يتبدلان، وآخرون إلى أنهما لا يتبدلان ومن هؤلاء من ضم إليهما: الأجل والرزق، ومنهم من اقتصر عليهما.
وذهب قوم إلى أن لله تعالى كتابين سوى أم الكتاب، يمحو منهما ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب، لا يغير منه شيء. وهذا مروي عن ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما، ونزلوا عليه قوله تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} ، وأم كل شيء أصله: (فكان الكتاب) الذي لا يغير منه شيء هو الأم، والكتابان الآخران يقبلان التغيير. هذا حاصل اختلافهم في المسألة، وهي - على عظيم تشاجر الناس فيها - عندي سهلة الموقع، آيلة إلى الاختلاف اللفظي والتنازع المحض، وليست قطعية، وإنما هي من مسالك الظنون، والأرجح فيها عندنا القول الثالث المعزو إلى ابن عباس، وعليه تنزل الآيات والأحاديث من الجانبين، بل أقول: لا ينبغي أن يكون في المسألة خلاف لولا تصريح كثير من المفسرين بأن قتادة والضحاك وابن جريج ذهبوا إلى أنه قد يمحو ويثبت من أم الكتاب أيضًا.