الصفحة 26 من 76

والقول المرجح عندنا هو ما يعزى إلى الأشعري، وعليه جرينا في (جمع الجوامع) ، وأنا أدعي مذهب الشافعي رضي الله عنه، وأستدل لذلك بقوله في خطبة الرسالة (وأستهديه بهداه الذي لا يضل من أنعم به عليه) ، وفروعه في الحج وغيره تدل عليه، ومقابله معزو إلى أبي حنيفة.

قال علماؤنا: السعيد من ختم له بالخير، والشقي مقابله، ولن ينفع من ساءت خاتمته تقدم قناطير من إيمان، ولينفعن من حسنت خاتمته تقدم مثقال حبة من خردل من إيمان.

والكتاب والسنَّة يدلان على ما رجحناه: قال الله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) } .

وإنما أراد بالشقي من مات على كفره، وبالسعيد من مات على إيمانه، لحكمه بعد ذلك على الفئتين بما تقتضيه الموافاة.

وروى ابن عمر فيما ذكره الواحدي في بسيطه وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (يمحو الله ما يشاء ويثبت إلاَّ الشقاوة والسعادة والموت) ، وهذا نص قاطع للنزاع إن ثبت إسناده، وصح من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي من صبيان الأنصار ليصلي عليه، فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سوءًا ولم يدركه ذنب فقال صلى الله عليه وسلم: (( أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم ) )، وفي (صحيح مسلم) من حديث سراقة: يا رسول الله أخبرنا عن ديننا هذا، كأننا خلقنا له الساعة، في أي شيء نعمل؟ أفي شيء ثبتت فيه المقادير وجرت فيه الأقلام، أم في أمر مستأنف؟ قال: (( بل فيما ثبت فيه المقادير وجرت فيه الأقلام ) )، قال سراقة ففيم العمل؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اعملوا فكل عامل ميسر لما خلق له ) ).

وذكر عبد الله بن عطاء أن عكرمة بن خالد حدثه، أن أبا الطفيل حدثه أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: (إن الشقي من شقي في بطن أمه، وإن السعيد من وعظ بغيره) .

وروى أبو إسحاق النسفي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( الغلام الذي قتله الخضر طبعه الله يوم طبعه كافرًا ) ).

قال إسحاق بن راهويه: وكان الظاهر ما قاله موسى: {أقتلت نفسًا زكية بغير نفس} ، فأعلم الله الخضر ما كان الغلام عليه في الفطرة التي فطر عليها، كان قد طبع يوم طبع كافرًا. وهذا حديث صحيح ثابت.

وروى البزار من حديث عطاء قال: كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن قتل الصبيان.

فكتب إليه ابن عباس: أما الصبيان فإن كنت أنت الخضر تعلم المؤمن من الكافر فاقتلهم.

فإن قلت: ما تقول في حديث ابن مسعود عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: (( إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلاَّ ذراع .... ) )الحديث.

قلت: هو من أوضح أدلتنا: إذ فيه: (( ثم يؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد ) )، فدل على أن هذه الأمور لا تتبدل، ولا عبرة بالأعمال بعدها. فإن قلت: كيف سماه عمل أهل الجنة؟ قلت: قد جاء في حديث آخر صحيح: (( بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس ) )، وفي (جامع الترمذي) ، مرفوعًا، (( فرغ ربكم من العباد، فريق في الجنة وفريق في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت