الصفحة 27 من 76

السعير )) ، وفي (مسند الإمام أحمد) من حديث أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( فرغ الله إلى كل عبد من خمس: من أجله، ورزقه، وأثره، ومضجعه، وشقي أم سعيد ) )، وأما قوله تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} ، فقيل: مخصوصة بما ذكرناه؛ لقوله تعالى بعدها: {وعنده أم الكتاب} وعندي أنها غير مخصوصة، مع قولي بعدم تبدل السعادة، والشقاوة؛ وذلك أنه تعالى أخبر أنه يمحو ما يشاء ويثبت، لا أنه يمحو كل شيء ويثبته، حتى يدَّعى التخصيص، والكلام في أن السعادة والشقاوة هل شاء محوهما وإثباتهما أو لا؟ فإن قلت إنه شاء محوهما وإثباتهما، فذلك الوقت يصح دعوى التخصيص، فافهم ما قلناه.

فقد غفل عنه الأكثرون، وظنوا أن الآية مخصصة عند من لا يرى التبدل، وليس كذلك.

(بل أقول: لو قال: شئت محو كل شيء وإثباته لكنت أقول) بالتبدل ولا أمنعه، لأنها صيغة خبر، لا إنشاء، فلا تقبل عندي التخصيص، لأن التخصيص عندي لا يكون إلاَّ في الإنشاءات، ومما أراه أن الأخبار لا يكون فيها عام مخصوص، وإنما يكون فيها عام يراد به الخصوص. ولنا في هذا المقام تحقيق طويل لسنا له الآن. وقال سعيد بن جبير: يمحو الله ما يشاء من الشرائع فينسخه ويثبت ما يشاء فلا ينسخه.

وأما ما رواه ابن جرير في تفسيره، وغيره من حديث أبي عثمان النهدي، أن عمر بن الخطاب كان يطوف بالبيت ويبكي ويقول: (اللَّهُمَّ إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبًا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب) .

وكذلك روى عن ابن مسعود، فمعناه -والله أعلم-: المكتوب في الكتابين الذين وراء أم الكتاب، لقوله: (وعندك أم الكتاب) ، إذا عرفت هذا فأم الكتاب هو أصله وهو الذي في الأزل، في علم الله تعالى، وذلك لا يتغير ولا يتبدل، وأما ما في الكتابين الآخرين فيقبل المحو والإثبات، فقولنا: (من كتبه في الأزل) أشرنا به إلى أم الكتاب لأنه الذي في الأزل، وأما اللوح المحفوظ فحادث، يمحو الله منه ما يشاء ويثبت، وكذلك الكتاب الآخر الذي أشار إليه ابن عباس وغيره.

فإن قلت: أفي أزل كاتب، وكتابة، ومكتوب؟ قلت: أليس في الأزل كلام ومتكلم، وقال الله تعالى: {كتب على نفسه الرحمة} ، {كتب في قلوبهم الإيمان} ، {كتب الله لأغلبن أنا ورسولي} فكما عقلت كلامًا ليس بحرف ولا صوت، فاعقل كتابة ليست بقلم ولا مداد.

وأما قولنا: (وأبو بكر ما زال بعين الرضا منه) فهي عبارة شيخنا أبي الحسن الأشعري، وهي واضحة لمن اتضح له ما قدمناه من عدم التبدل في السعادة والشقاوة، وقد ظن جماعة من الحنفية وغيرهم، أن أبا الحسن الأشعري رضي الله عنه يقول: إنه كان مؤمنًا قبل المبعث، وهذا لم يقله أبو الحسن ولا أصحابه. ومعنى قولهم: (لم يزل بعين الرضا) : أنه بحال غير مغضوب فيها عليه، لعلم الله بأنه سيؤمن، ويصير من خلاصته الأبرار، وهذا كما أنه إذا تلبس عبدك بعصيانك، وأنت تعلم أنه سيعود إلى طاعتك ويصير من أخصائك، فإنه في حالة بعده عنك بعين الرضا منك، ولا تنقم عليه فعله ذلك، لعلمك بما يؤول إليه حاله. فافهم دقائق كلام شيخ أهل السنة والجماعة، ومقتدى الطوائف الذين هم على حقيقة الطاعة أبي الحسن كرم الله وجهه.

واعلم أن هذه العبارة المحفوظة عن أبي الحسن في حق الصديق رضي الله عنه لم تحفظ عنه في حق غيره، وكان الوالد رضي الله عن يقول: إنه لم يثبت له عنده كفر بالله تعالى، وكان يقول لعل حاله قبل المبعث كحال زيد بن عمرو بن نفيل وأقرانه، وذلك في (شرح المنهاج) . وأنت إذا عرفت هذا فهمت السر من تخصيص الصديق رضي الله عنه بالذكر عن غيره من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وعلمت أن قولكم في السؤال: (مع أن حاله قبل المبعث معروف) ، إن أردتم به أنه تقدم منه كفر، فليس بقويم.

الكرامات:

وأما كرامات الأولياء فبحر لا يخوضه إلاَّ الأصفياء، ونحن بمعزل عنه، فما لنا ولهذا المقام، حشرنا الله في زمرة أهله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت