فهرس الكتاب
ولكنا نقول: قال الأستاذ أبو القاسم القشيري في (الرسالة) ما نصه: (وأعلم= أن كثيرًا من المقدروات= يعلم اليوم قطعًا أنه لا يجوز أن يظهر كرامة للأولياء، وبالضرورة أو شبه الضرورة يعلم ذلك، فمنها حصول إنسان لا من أبوين، وقلب جماد بهيمة، أو حيوانًا .. وأمثال هذا كثير. انتهى، فتأمله، وتأمل قوله:(لضرورة أو لشبه ضرورة يعلم ذلك) .
وقولكم: (هل يلحق بولد دون والد ما يماثله عجيب) مع أن عبارتنا: قال القشيري: ولا ينتهون إلى نحو ولد دون والد)، ولعل لفظة (نحو) ساقطة من نسختكم، وإلاَّ فليس له قلب جماد بهيمة، ونحوه، كما رأيت في كلام القشيري.
لا يكفر أحد من أهل القبلة:
وأما إطلاقنا عدم تكفير أهل القبلة، فهو المنقول عن الأئمة الثلاثة: الشافعي، وأبي حنيفة، وأبي الحسن الأشعري.
فأما أبو حنيفة والأشعري فالنقل عنهما صحيح، لأن أبا حنيفة قال: (أنا لا أكفر أحدًا من أهل القبلة) وهذا صريح، والأشعري قال في كتاب (المقالات) : (إن المسلمين اختلفوا بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم في أشياء ضلل بعضهم بعضًا، وتبرأ بعضهم عن بعض فصاروا فرقًا متباينين إلاَّ أن الإسلام يعم جميعهم) . انتهى. وهو صريح أيضًا، وإليه أشرت بقولي في القصيدة النونية:
بل كل أهل القبلة الإيمان يجـ ـمعهم ويفترقون كالوحدان
وأما الشافعي فأخذ ذلك من قوله: (لا أرد شهادة أهل البدع والأهواء إلاَّ الخطابية، فإنهم يعتقدون شهادة الزور) ، قال بعض أئمتنا: وهذا لا يدل على إطلاق عدم التكفير، إذ لا يلزم من عدم تكفير أهل البدع، والأهواء، عدم التكفير مطلقًا، فإن مخالفة الحق في الديانات تارةً توجب البدعة والضلال، وتارةً توجب الكفر، والمخالف في الأول هو المسمى بأهل البدع والأهواء، دون الثاني.
تكفير الشافعي للقائل بخلق القرآن:
قلت: وقد صح من غير طريق عن الشافعي تكفير القائل بخلق القرآن، ذكر الحاكم أبو عبد الله عن علي بن سهل: سألت الشافعي عن القرآن فقال: كلام الله غير مخلوق. قلت: فمن قال مخلوق فما هو عندك؟ قال: كافر. قلت: أقول كافر، فإذا قيل لي غدًا لم قلت؟، أقول: قاله لي الشافعي؟ قال: نعم، إن سئلت غدًا فقل: إن الشافعي قال: هو كافر.
وقال ابن خزيمة: سمعت الربيع يقول: تكلم حفص القرد عند الشافعي، فقال: القرآن مخلوق، فقال له الشافعي: كفرت بالله العظيم. وذهب جماعة من أئمتنا إلى تكفير المجسمة، لأنهم جاهلون بالله يعبدون غير الله.
تكفيرنا في الحشر والعلم بالجزئيات:
والمختار: أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة، إلاَّ من ينكر ما يعلم مجيء النبي صلى الله عليه وسلم به ضرورة كنا في الحشر، والعلم بالجزئيات.
قال الغزالي في آخر كتاب (تهافت الفلاسفة) : (كفرت الفلاسفة ولا بد في ثلاث مسائل) :
إحداها: مسألة قدم العالم، وقولهم الجواهر كلها قديمة.
والثانية: قولهم إن الله تعالى لا يحيط علمًا بالجزئيات الحادثة من الأشخاص.
والثالثة: إنكارهم بعث الأجساد، وحشرها.
فهذه المسائل الثلاث لا تلائم الإسلام بوجه، ومعتقدها معتقد كفر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهذا هو الكفر الصراح. قلت: وفي الحقيقة (هذا ليس من أهل القبلة) . فصح إطلاقنا عدم تكفير أحد من أهل القبلة، ووقع في كلام الطحاوي وغيره: (بذنب) ، وهي زيادة لا حاجة إليها، فإنه إن لم يكن بذنب لم يقع كلام في التكفير.