الصفحة 29 من 76

وقولكم: ما بال المستحل يكفر؟ نقول: إذا كان مستحلًا بتأويل لغير مشهور فإنه لا يكفر، وإن كان مستحلًا لما علم بالضرورة، فليس من أهل القبلة. على أن تفصيل القول في التفكير قد سبق في آخر الإجماع، وإنما ذكرناه هنا لأنه من تمام العقيدة.

الاسم هل هو المسمى أو غيره؟:

وأما مسألة الاسم والمسمى فمقررة في كتابنا: (السيف المشهور في شرح عقيدة الأستاذ أبي منصور) . ونحن نذكرها مختصرة، فنقول:

قد كثر خوض الخائضين فيها، وتشعبت أراء المختلفين في الاسم، هل هو المسمى أو غيره؟ ولا يخفى عليك أن للأشياء وجودًا في الأعيان، وهو الوجود الأصلي الحقيقي، ووجودًا في الأذهان، وهو الوجود العلمي التصوري، ووجودًا في اللسان وهو الوجود اللفظي الدليلي، ووجودًا في البنان وهو الخط، فإن السماء مثلًا لها وجود في عينها ونفسها، ثم لها وجود في أذهاننا ونفوسنا؛ إذ صورة السماء تنطبع في أبصارنا ثم في خيالنا، وهذه الصورة هي التي يعبر عنها بالعلم، وهو مثال المعلوم، فإنه محاك للمعلوم ومواز له، وهو كالصورة المنطبعة في المرآة فإنها محاكية للصورة الخارجية المقابلة لها. وأما الوجود في اللسان، فهو اللفظ المركب من أصوات، قطعت ثلاث تقطيعات، يعبر عن القطعة الأولى بالسين، وعن الثانية بالميم، وعن الثالثة بالألف، وهي قولنا (سما) فالقول دليل على ما في الذهن، وما في الذهن صورة لما في الوجود مطابقة له، ولو لم يكن وجود في الأعيان لم تنطبع صورة في الأذهان، ولو لم تنطبع في الأذهان لم يشعر به الإنسان، ولو لم يشعر به الإنسان لم يعبر عنه اللسان تعبير القاصدين. فإذًا اللفظ والعلم والمعلوم ثلاثة أمور متباينة، يلحق كل واحد منها خواص لا تلحق الآخر، فالإنسان مثلًا من حيث إنه موجود في الأعيان يلحقه أنه نائم ويقظان، وحي، وميت، ومن حيث إنه في الأذهان، يلحقه أنه مبتدأ أو خبر، وعام وخاص، وكلي وجزئي، ومن حيث إنه في اللسان يلحقه أنه عربي، وعجمي، وتركي، وهذا الوجود مما يختلف في الأعصار، وتتفاوت فيه عادة الأمصار. فأما الوجود الذي في الأعيان والأذهان فلا يختلف. إذا عرفت هذا فدع عنك وجود الأعيان والأذهان، وانظر في الوجود اللفظي فإن غرضنا متعلق به.

فإذا قيل لنا: ما حد الاسم؟ قلنا: اللفظ الموضوع للدلالة وليس تحرير الحد الآن من غرضنا إنما غرضنا الآن أن الاسم إنما نعني به اللفظ الموضوع للدلالة.

فاعلم أن كل موضوع للدلالة فله: واضع، ووضع، وموضوع له.

فيقال للموضوع له: مسمى. وهو المدلول عليه. ويقال للواضع: المسمى، وللوضع التسمية. يقال: فلان سمى ولده، إذا وضع له لفظًا يدل عليه ويسمى وضعه تسمية. وقد يطلق لفظ التسمية على ذكر الاسم الموضوع، كالذي ينادي شخصًا ويقول: يا زيد (فيقال: سماه) ويجري الاسم، والتسمية، والمسمّي والمسمَّى، مجرى الحركة والتحريك، والمحرِّك والمحرَّك.

إذا عرفت هذا فالتحقيق عندنا في هذه المسألة أن يقال في قولك: (زيد) خمسة أشياء.

أحدها: جعلك هذا اللفظ دليلًا عليه، (وهو تسمية) ، وهو فعل الفاعل وهو حادث من المخلوق، وأما من الله تعالى فعند أهل السنَّة أنه قديم بناء على أن الكلام قديم، والله تعالى سمى نفسه بأسماء بكلامه القديم النفساني. والمعتزلة يخالفوننا في ذلك لإنكارهم الكلام النفسي.

الثاني: إطلاقك هذا اللفظ عليه، وهو استعمال الاسم في المسمى، ولك أن تقول: إنه تسمية. والكلام فيه كالأول.

والثالث: هذا القول، وهو: (الزاي، والياء، والدال) ، مثلًا وإنما قلنا القول، ولم نقل اللفظ ليشمل النفسي، فهذا اسم، ومسماه قد يكون شخصًا كما في زيد، وقد يكون معنى كعلم، وجهل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت