فهرس الكتاب
وثانيها: أن المقصود هضم النفس، بترك التزكية، فإن قال: (أنا مؤمن) فقد زكى نفسه.
وثالثها: أن المشيئة راجعة إلى كمال الإيمان.
ورابعها: أن المشيئة راجعة إلى ما يقع من الأعمال.
وخامسها: أن المشيئة معلقة بما في علم الله من الخاتمة؛ فإن العبد لا يدري ما أراد الله به، فالمعنى: إن شاء الله الموافاة.
ولا يخفى عليك أن التأويلين الأولين فيهما تجوز في لفظ الاستثناء، دون لفظ مؤمن، والثالث والرابع فيهما تجوز في لفظ المؤمن دون الاستثناء، لأن كمال الإيمان قدر زائد عليه، وكذلك الأعمال، لأن الإيمان عندنا تصديق.
وأما الخامس، فنقول: إن قلنا: (السعادة والشقاوة لا يتبدلان) فلا تجوُّز فيه لأنه لا يدري أسعيد هو أم لا؟ لأن ذلك إنما يتحقق في الخاتمة. وإن قلنا: (يتبدلان) ففي كونه مجازًا نظر واحتمال.
إذا عرفت هذا فأقول: يظهر أن يقال: إن الاستثناء على التأويل الأول والثاني مستحب، وعلى الثلاثة واجب، ولا أعني بالوجوب وجوب النطق به، بل وجوب اعتقاد أن الأمر كذلك، لأنه مشكوك في كمال الإيمان، وفي الأعمال، وفي الخاتمة.
وأما التلفظ به فلا يجب، ولكن من لم يتلفظ به يكون كمن جزم في موضع الاحتمال، ولا شك أنه متوسع.
المشار إليه (بأنا) ما هو؟
وأما ترجيح القول، بأن المشار إليه (بأنا) الهيكل المخصوص، فلا ارتباط له بمسألة بقاء النفس بعد موت البدن حتى يسأل عنه. نعم لعلك تقول: اخترتم الإمساك عن الكلام في حقيقة الروح كما قدمتم حيث قلتم: (وحقيقة الروح لم يتكلم عليها محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم فنمسك عنها.
والروح هي المشار إليه بـ (أنا) ، فإذا قلتم: إن المشار إليه بأنا الهيكل المخصوص، كنتم قائلين بأن الروح هو الهيكل المخصوص كما هو قول بعض المتكلين الذاهبين إلى أن الروح جسم، وكل هذا منكم كلام في حقيقة الروح بعد اختيار، الصمت.
فالجواب: أنا لا نسلم أن الروح هي المشار إليه بـ (أنا) ، وتحقيق ذلك أن البحث واقع في مسألتين.
مسألة الروح وحقيقتها، أعرَض هي أم جوهر؟ وبتقدير كونها عرضًا، أَعَرَضٌ خاص غير معين كما يقول إلكيا الهراسي؟ أم المزاج الخاص بأبدان نوع الإنسان كما تقول قدماء الفلاسفة؟ أم بعض القوى الفاعلة في الأجسام؟ أم صفة الحياة؟ أم الهيكل الخصوص؟ وبتقدير أنها جوهر، فهل هي هذه الجثة؟ إلى غير ذلك من الخلاف في حقيقتها.
ومسألة المشار إليه بـ (أنا) هل هو هذه الجثة، أو الروح؟ فمن قال: (الروح الجثة) ؛ فلا إشكال عنده. وأما من لم يقل بأنها الجثة (وهو الذي نقطع به) ، فإنه يقول: لا يلزم من كون الروح غير الجثة، أن لا يكون المشار إليه بأنه الجثة، بل المشار إليه بـ (أنا) الجثة، إذا كانت النفس قائمة بها، فهما مسألتان لا تعلق لإحداهما بالأخرى، فلا إشارة لغير الجثة، لأن الإشارة تستدعي مشارًا إليه متميزًا في نفسه وما هو إلاَّ الجثة. نعم يشترط أن تكون النفس قائمة بها لتخرج جثة الميت، وهذا تحقيق لا تجده في كلام غيرنا.
العزم يؤاخذ عليه:
وأما العزم فإنه مؤاخذ به عند المحققين، وذهب بعضهم إلى أنه مرفوع كالهَمّ، والصحيح الأول؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ) )، قالوا،: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: (( لأنه كان حريصًا على قتل صاحبه ... ) )، فعلل بالحرص، وللإجماع على المؤاخذة بأعمال القلوب كالحسد. وهذا بخلاف الهم؛ فإن الحديث الصحيح يشهد بأن من هم بالسيئة لم تكتب عليه. فهذا الفارق بينهما حكمًا.
وأما الفرق بين حقيقتيهما: فنقول: الواقع في النفس من متعلقات المعاصي خمس مراتب:
الأولى: الهاجس، وهو ما يلقى فيها، ولا مؤاخذة به بالإجماع، لأنه ليس من فعل العبد، وإنما هو وارد لا يستطيع دفعه.